تُعد مقامات الحريري من أبرز الأعمال الأدبية في التراث العربي لما تحمله من ثراء لغوي وبلاغي وسردي، وقد اكتسبت بعدًا بصريًا فريدًا من خلال الرسوم التي أنجزها الفنان يحيى بن محمود الواسطي. هذا التلاقي بين النص الأدبي والصورة التشكيلية خلق تجربة فنية متكاملة تجاوزت حدود الكلمة المكتوبة لتصل إلى فضاء بصري نابض بالحياة.
كتب الحريري مقاماته بأسلوب قائم على السرد اللغوي المحكم والحوار الذكي، وتمحورت حول شخصية أبي زيد السروجي التي تمثل نموذجًا إنسانيًا مركبًا يجمع بين الفصاحة والحيلة والمعرفة. في المقابل جاء الواسطي ليترجم هذا النص إلى لغة بصرية لا تكتفي بالتوضيح بل تضيف أبعادًا جديدة للنص، مستثمرًا الخيال والتكوين واللون والحركة.
لم يلتزم الواسطي بالنقل الحرفي لمضامين المقامات، بل تعامل معها بوصفها منطلقًا إبداعيًا، فقام بتوسيع المشهد السردي عبر تصوير الحياة اليومية والبيئة الاجتماعية والملامح الإنسانية للشخصيات. وقد منح اهتمامًا خاصًا للتعبير الوجهي والحركة الجسدية وتنظيم الفضاء، مما جعل اللوحات وثائق بصرية تعكس ملامح المجتمع العباسي بكل تفاصيله.
تُظهر أعمال الواسطي وعيًا فنيًا متقدمًا بالعلاقة بين النص والصورة، حيث تتحول اللوحة إلى خطاب موازٍ للنص الأدبي، يكمله ويثريه بدل أن يكون تابعًا له. كما تكشف هذه الرسوم عن قدرة الفن التشكيلي على تجاوز حدود الزمان والمكان، وتحويل النص المكتوب إلى تجربة حسية وبصرية ذات طابع إنساني شامل.
إن مقامات الحريري مصحوبة برسوم الواسطي تمثل نموذجًا مبكرًا للتكامل بين الأدب والفن، وتؤكد أن الإبداع لا يُحصر في قالب واحد، بل يتجلى في تفاعل الفنون معًا، وهو ما يمنح هذا العمل مكانته الخالدة في تاريخ الثقافة العربية.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الرابع (التعليم الجيد)