تُعد الساعات الأولى بعد الولادة، والتي يُطلق عليها علمياً "الساعة الذهبية"، المرحلة الأكثر حرجاً وتأثيراً في حياة المولود والأم على حد سواء. في هذه النافذة الزمنية، يتواجه العلم الحديث المبنّي على البراهين مع ممارسات تقليدية متوارثة عبر الأجيال، مما يضع التمريض القبالي أمام تحدي توعية الأسرة وتقديم الرعاية المثلى.
1. ملامسة الجلد للجلد (Skin-to-Skin): العلم يتحدث
• البراهين العلمية: تؤكد الدراسات أن وضع المولود عارياً على صدر الأم فور الولادة يساعد في تنظيم ضربات قلب الرضيع، درجة حرارته، ومستوى السكر في دمه. كما أنه يحفز إفراز هرمون "الأوكسيتوسين" الذي يعزز تدفق الحليب ويقلل من نزيف ما بعد الولادة للأم.
• الممارسات التقليدية: في بعض الثقافات، يُعتقد بوجوب تحميم الطفل فوراً وتغطيتها بطبقات من القماش قبل إعطائه للأم، مما يسبب صدمة حرارية للمولود ويؤخر بدء الرضاعة.
2. سائل اللبأ (Colostrum): "اللقاح الأول"
• البراهين العلمية: يثبت العلم أن "اللبأ" (الحليب الأصفر الكثيف في الأيام الأولى) غني جداً بالأجسام المضادة والبروتينات التي تبني جدار الحماية في أمعاء الرضيع. هو ليس مجرد طعام، بل هو نظام مناعي متكامل.
• الممارسات التقليدية: تسود في بعض المجتمعات فكرة مغلوطة بأن هذا الحليب "قديم" أو "ثقيل" على معدة الطفل، وقد يلجأ البعض للتخلص منه واستبداله بماء وسكر أو أعشاب، مما يحرم الطفل من حماية مناعية لا تعوض.
3. الرضاعة عند الطلب مقابل الجدولة الزمنية
• البراهين العلمية: تدعم منظمة الصحة العالمية الرضاعة "عند الطلب" (On-demand feeding)، لأن معدة الرضيع صغيرة جداً وتفرغ بسرعة، كما أن المص المتكرر هو المحفز الأساسي لزيادة إنتاج الحليب.
• الممارسات التقليدية: قد تفرض الجدات جدولاً زمنياً صارماً (مثلاً كل 3 ساعات)، مما قد يؤدي إلى بكاء الطفل المطول أو انخفاض إدرار الحليب لدى الأم بسبب قلة التحفيز.
4. دور ممرضة التوليد في سد الفجوة
تمثل الممرضة حلقة الوصل بين العلم والأسرة من خلال:
• التثقيف قبل الولادة: تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الأم وعائلتها حول السوائل السكرية واللبأ.
• الدعم السريري: مساعدة الأم في وضعيات الرضاعة الصحيحة خلال الساعة الأولى لضمان "الإمساك الصحيح" (Proper Latch).
• التمكين النفسي: تعزيز ثقة الأم بجسدها وقدرتها على إشباع طفلها دون الحاجة لمدعمات خارجية.
خاتمة
إن النجاح في بدء الرضاعة الطبيعية خلال الساعات الأولى ليس مجرد ممارسة بيولوجية، بل هو قرار طبي مستند إلى براهين قوية. من خلال استبدال العادات التقليدية الضارة بممارسات علمية واعية، نحن لا نضمن نمواً جسدياً سليماً للمولود فحسب، بل نبني رابطة عاطفية متينة تدوم مدى الحياة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الثالث من اهداف التنمية المستدامة -الصحة الجيدة والرفاه