يُعدّ التصميم الداخلي في الحضارة الرومانية من أبرز التحولات التي شهدها تاريخ العمارة، إذ انتقل بالفضاء الداخلي من كونه عنصرًا وظيفيًا بسيطًا إلى منظومة متكاملة تجمع بين الجمال والراحة والتنظيم الاجتماعي. فقد استطاع الرومان تطوير أساليب إنشائية وزخرفية متقدمة جعلت من الفضاء الداخلي تعبيرًا واضحًا عن قوة الدولة وازدهارها الحضاري. وعلى الرغم من تأثر العمارة الرومانية بالحضارة اليونانية، إلا أنها لم تكن مجرد امتداد لها، بل نجحت في بلورة هوية معمارية خاصة، ركزت على المباني الدنيوية والعامة أكثر من الدينية، وهو ما انعكس بوضوح على تصميم الفضاءات الداخلية التي جسدت البعد الاجتماعي والسياسي والثقافي للدولة الرومانية.
تأثرت الحلول التصميمية الداخلية بالعوامل البيئية ومواد البناء المتاحة في إيطاليا، حيث تميز المناخ بالتنوع، الأمر الذي فرض معالجات معمارية مرنة. لم يقتصر الرومان على استخدام الحجر، بل اعتمدوا الطوب والفخار والقرميد، وكان ابتكار الخرسانة الرومانية نقطة تحول أساسية سمحت بإنشاء فضاءات داخلية واسعة، جرى تغليفها لاحقًا بالرخام لإضفاء الطابع الجمالي والفخم. كما أدخل الرومان الأقواس والعقود وطوروا أنظمة الأعمدة بإضافة الطراز التوسكاني والمركب إلى الطرز الإغريقية المعروفة.
برز تأثير الفضاءات العامة في تشكيل الفكر التصميمي الداخلي، ويعد الكولوسيوم مثالًا واضحًا على ذلك، إذ يعكس تنظيمه الداخلي البيضاوي وتعدد مستوياته وتوزيع المقاعد حسب الطبقات الاجتماعية وعيًا تصميميًا متقدمًا يربط العمارة بالبنية الاجتماعية. كما شكلت البازيليكا نواة الفضاءات المدنية، من خلال اعتماد التخطيط المستطيل والأروقة الجانبية، وأسست لاحقًا لتطور العمارة الكنسية. أما في المعابد، ولاسيما معبد البانثيون، فقد بلغ التصميم الداخلي ذروته عبر القبة المركزية والفتحة العلوية التي حولت الضوء الطبيعي إلى عنصر تصميمي رمزي يربط الإنسان بالسماء.
اهتم الرومان بتصميم المسكن بوصفه فضاءً اجتماعيًا يعكس مكانة الأسرة ودورها في المجتمع. فتمحور البيت حول الفناء الداخلي المحاط بالأعمدة، وتوزعت الغرف حوله بطريقة مدروسة. واستخدمت الجداريات التي تحاكي الطبيعة، والفسيفساء في الأرضيات، والزجاج في النوافذ، والبرونز في وحدات الإضاءة. كما شكلت الردهة المركزية قلب النشاط الاجتماعي والسياسي للأسرة، وكانت أكثر أجزاء المنزل زخرفة وعناية.
أما الأثاث والتجهيزات، فقد صُنعت من مواد متنوعة كالخشب والحجر والبرونز، وزُينت بالعاج والفضة، وظهرت الأرائك الطويلة والمصابيح الزيتية والتماثيل والنوافير الداخلية، مما أضفى على الفضاء الداخلي طابعًا متكاملًا يجمع بين الجمال والوظيفة. ويمكن القول إن التصميم الداخلي الروماني لم يكن مجرد زخرفة، بل منظومة فكرية متكاملة عكست التنظيم الاجتماعي والتقدم التقني والوعي الجمالي، وأسست بشكل واضح لتطور العمارة الغربية لاحقًا.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.
الهدف 11 – المدن و المجتمعات المستدامة