مع التطور المتسارع في التقنيات العلمية والهندسية، ظهرت الطائرات المسيّرة (Drones) كأداة متقدمة لا تقتصر على التطبيقات العسكرية أو التصوير الجوي فحسب، بل امتدت لتصبح منصة بحثية واعدة في العديد من المجالات العلمية. ومن بين أبرز هذه المجالات الكيمياء البيئية والكيمياء التحليلية، حيث يمكن للطائرات المسيّرة أن تعمل كمختبرات كيميائية طائرة صغيرة قادرة على جمع البيانات البيئية وتحليلها بكفاءة عالية.
يعتمد هذا التوجه العلمي على دمج الطائرات المسيّرة مع حساسات كيميائية متطورة وخفيفة الوزن، غالباً ما تعتمد على تقنيات كهروكيميائية أو بصرية أو على مواد نانوية عالية الحساسية. تسمح هذه الحساسات بالكشف عن مجموعة واسعة من الملوثات والغازات في الغلاف الجوي، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكاسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة، وهي مركبات تلعب دوراً مهماً في تقييم جودة الهواء ودراسة تأثيرات التلوث البيئي على صحة الإنسان والأنظمة البيئية.
تمتاز الطائرات المسيّرة بقدرتها على الوصول إلى مناطق يصعب أو قد يكون من الخطر الوصول إليها باستخدام الوسائل التقليدية، مثل المناطق الصناعية الملوثة أو المناطق الجبلية الوعرة أو مواقع الحوادث البيئية. وبفضل هذه الميزة، يمكن استخدامها لرصد التغيرات الكيميائية في الهواء أو جمع عينات بيئية بدقة وسرعة. كما يمكن توظيفها في إعداد خرائط مكانية ثلاثية الأبعاد لتوزيع الملوثات في الغلاف الجوي، مما يوفر فهماً أفضل لآليات انتقال الملوثات وانتشارها في البيئة.
إضافة إلى ذلك، يمكن للطائرات المسيّرة أن تعمل كمنصات متنقلة لجمع عينات من الهواء أو الجسيمات الدقيقة أو حتى المياه السطحية، ليتم تحليلها لاحقاً باستخدام تقنيات تحليلية متقدمة مثل الكروماتوغرافيا أو التحليل الطيفي. إن هذا التكامل بين تقنيات الطيران والحساسات الكيميائية يمثل خطوة مهمة نحو تطوير أنظمة مراقبة بيئية أكثر كفاءة وأقل كلفة مقارنة بوسائل الرصد التقليدية.
ولا تقتصر تطبيقات هذه الطائرات على الدراسات البيئية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى مجالات حساسة مثل مراقبة الإشعاع في المناطق القريبة من المفاعلات النووية أو مواقع الحوادث الإشعاعية. إذ يمكن تجهيز الطائرات المسيّرة بكواشف إشعاعية خفيفة الوزن لرصد مستويات الإشعاع وتحديد مواقع التسرب المحتملة دون تعريض الباحثين أو فرق الطوارئ لمخاطر الإشعاع المباشر.
في ضوء هذه التطورات، يتوقع أن يؤدي التقدم في علم المواد النانوية وتقنيات الحساسات المصغرة إلى تعزيز دور الطائرات المسيّرة كمختبرات تحليلية متنقلة. إن هذا التكامل بين الكيمياء والتكنولوجيا الجوية يمثل نموذجاً حديثاً للتعاون بين التخصصات العلمية، ويسهم في تطوير أدوات مبتكرة لدراسة البيئة ومراقبة التلوث وحماية الإنسان والنظم البيئية.
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات العراقية الاهلية