تعد الحروب من أقسى التجارب البشرية التي لا يقتصر دمارها على البنية التحتية فحسب، بل يمتد ليشظي البنية النفسية للفرد والمجتمع. من منظور تمريضي وطبي، يُنظر إلى "جروح الروح" كإصابات غير مرئية تتطلب تدخلاً استباقياً وفهماً عميقاً لآليات التكيف.
أولاً: التأثيرات النفسية للحروب (الأثر السريري)
عند التعرض للنزاعات المسلحة، يمر الجهاز العصبي بحالة من الاستنفار الدائم، مما يؤدي إلى ظهور عدة اضطرابات، أبرزها:
1. اضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD): يتميز باستعادة ذكريات الأحداث المؤلمة (Flashbacks)، والتجنب، والاستثارة المفرطة.
2. القلق المعمم والاكتئاب: نتيجة فقدان الأمان، وفقدان الأحبة، والنزوح القسري.
3. الأعراض الجسدية (Psychosomatic): تترجم الضغوط النفسية إلى آلام جسدية مثل الصداع المزمن، اضطرابات الهضم، وسرعة ضربات القلب، وهو ما يلاحظه الممرضون غالباً في مراكز الإيواء.
ثانياً: الصمود النفسي (Psychological Resilience)
الصمود ليس "عدم التأثر"، بل هو القدرة على التعافي والنمو رغم المحن. في بيئة التمريض، نركز على تعزيز هذا الصمود من خلال نماذج علمية تعتمد على:
• المرونة المعرفية: إعادة صياغة الأفكار الكارثية والتركيز على ما يمكن السيطرة عليه.
• الدعم الاجتماعي: تفعيل شبكات المساندة المجتمعية التي تعمل كـ "مصدات" ضد الصدمات.
• المعنى والهدف: قدرة الفرد على إيجاد غاية أو دور (مثل التطوع أو مساعدة الآخرين) تساهم بشكل فعال في حماية الصحة العقلية.
ثالثاً: دور الكوادر التمريضية في زمن الحرب
يقع على عاتق ممرضي جامعة المستقبل دور محوري يتجاوز الإسعافات الأولية الجسدية إلى الإسعاف النفسي الأولي (PFA)، والذي يتلخص في ثلاث خطوات:
1. المشاهدة (Look): تحديد الأفراد الذين يعانون من استجابات صدمية حادة.
2. الاستماع (Listen): تقديم الدعم دون إطلاق أحكام، والسماح للمتضرر بالتعبير عن مشاعره.
3. الربط (Link): توجيه الأفراد نحو الخدمات النفسية المتخصصة ومصادر الدعم الاجتماعي.
رابعاً: استراتيجيات عملية لبناء الحصانة النفسية
للحفاظ على التوازن النفسي وسط الأزمات، يُنصح بالآتي:
• تقنين استهلاك الأخبار: الحماية من "التروما الثانوية" الناتجة عن المشاهدة المستمرة للمآسي.
• تثبيت الروتين اليومي: ممارسة أنشطة روتينية بسيطة تمنح العقل شعوراً بالسيطرة والنظام.
• التدريب على تقنيات التنفس والتفريغ: لتقليل نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي المسؤول عن استجابة "الكر أو الفر".
خاتمة:
إن الحرب تفرض واقعاً قاسياً، لكن "العقل المرن" قادر على اجتياز الحطام. كطلبة وأساتذة في كلية التمريض بجامعة المستقبل، تقع علينا مسؤولية نشر الوعي بأن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل هي الركيزة الأساسية للنجاة وإعادة الإعمار.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف الثالث من اهداف التنمية المستدامة -الصحة الجيدة والرفاه