إعداد الاستاذ الدكتور حيدر علي الدليمي كلية العلوم الادارية
يمثل القضاء على الفقر أحد أبرز التحديات العالمية التي تسعى الدول والمجتمعات إلى معالجتها ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة، حيث يركز الهدف الأول على إنهاء الفقر بجميع أشكاله وفي كل مكان. وفي المقابل، يؤكد الهدف السابع عشر على أهمية تعزيز الشراكات الدولية كوسيلة أساسية لتحقيق هذه الأهداف، من خلال التعاون بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، والمنظمات الدولية. ويعكس التكامل بين هذين الهدفين رؤية شمولية للتنمية المستدامة، تقوم على الترابط بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية.
لا يمكن تحقيق القضاء على الفقر بمعزل عن بناء شراكات فعّالة تضمن تعبئة الموارد المالية، ونقل المعرفة، وتعزيز القدرات المؤسسية للدول، خاصة النامية منها. فالفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو ظاهرة متعددة الأبعاد تشمل الحرمان من التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية، وفرص العمل اللائق. ومن هنا، فإن معالجته تتطلب جهودًا مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية، وتعتمد على تبادل الخبرات والتجارب الناجحة.
في السياق العراقي، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني سياسات تنموية متكاملة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، مع تعزيز التعاون الدولي والإقليمي لدعم برامج الحد من الفقر. ويمكن أن تلعب الشراكات مع المنظمات الدولية دورًا مهمًا في تمويل المشاريع التنموية، وتطوير البنى التحتية، وتحسين جودة الخدمات العامة. كما أن إشراك القطاع الخاص يسهم في خلق فرص عمل مستدامة، وتحفيز النمو الاقتصادي، بما ينعكس إيجابًا على مستويات المعيشة.
إضافة إلى ذلك، فإن المؤسسات الأكاديمية، ومنها الجامعات، تضطلع بدور محوري في دعم تحقيق هذين الهدفين من خلال البحث العلمي، وبناء القدرات، ونشر الوعي المجتمعي. إذ يمكن للجامعات أن تكون منصات للتفكير الاستراتيجي، وتقديم الحلول المبتكرة التي تستند إلى البيانات والتحليل العلمي، فضلًا عن إعداد كوادر بشرية مؤهلة قادرة على قيادة جهود التنمية.
ومن المهم التأكيد على أن نجاح الشراكات يتطلب وجود بيئة مؤسسية قائمة على الشفافية والمساءلة، مع وجود سياسات واضحة تعزز من كفاءة استخدام الموارد وتضمن تحقيق الأثر التنموي المطلوب. كما أن توظيف التكنولوجيا والتحول الرقمي يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة البرامج التنموية، وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات، خاصة في المناطق النائية والمحرومة.فإن التكامل بين الهدف الأول والهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة يمثل ركيزة أساسية لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة. فالقضاء على الفقر لا يمكن أن يتحقق دون شراكات قوية وفعالة، كما أن هذه الشراكات لا تكتمل إلا بتوجيهها نحو تحسين حياة الإنسان وضمان كرامته. ومن هنا، تبرز أهمية العمل المشترك والتنسيق المستمر بين مختلف الأطراف، من أجل بناء مستقبل أكثر عدلاً واستدامة للجميع.