أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
تعد أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي وضعتها الأمم المتحدة في عام 2015 خارطة طريق ضرورية نحو تحقيق مستقبل أفضل وأكثر عدلاً للجميع. ومن بين هذه الأهداف، يحتل هدف القضاء على الفقر (الهدف الأول) والهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، مكانة هامة في تحقيق تقدم اجتماعي واقتصادي شامل. ومن خلال هذه المقالة، نسعى لاستكشاف العلاقة المتكاملة بين هذين الهدفين وكيفية ربطهما لتحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة.
القضاء على الفقر: أولوية ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة
يُعد القضاء على الفقر أحد أسمى الأهداف التي تسعى الدول والمنظمات العالمية لتحقيقها. فالفقر لا يقتصر على نقص الدخل، بل يتعدى ذلك ليشمل محدودية الوصول إلى التعليم، الرعاية الصحية، والمياه النظيفة، وفرص العمل. ولذا، فإن تحقيق هدف القضاء على الفقر يتطلب استراتيجية شاملة تأخذ في الاعتبار تحسين مستوى المعيشة لجميع الأفراد وتوفير الفرص الاقتصادية والاجتماعية للجميع.
ولكن، لا يمكن تحقيق هذا الهدف بمعزل عن توفير بيئة اقتصادية مزدهرة تخلق فرص عمل لائقة ومستدامة. وهذا هو المكان الذي يتقاطع فيه الهدف الأول (القضاء على الفقر) مع الهدف الثامن (العمل اللائق ونمو الاقتصاد).
العمل اللائق: قاعدة أساسية لتقليل الفقر
العمل اللائق ليس مجرد فكرة اقتصادية، بل هو عنصر أساسي في تحسين ظروف حياة الأفراد والمجتمعات. يشمل العمل اللائق الأجر العادل، ظروف العمل الآمنة، حقوق العمال، وفرص التدريب والتطور المهني. وبالتالي، يعد توفير فرص العمل اللائق أداة قوية لمكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية.
من خلال العمل اللائق، يمكن للعديد من الأفراد الخروج من دائرة الفقر، حيث يوفر لهم هذا النوع من العمل دخلاً ثابتاً يمكّنهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية مثل الغذاء، المأوى، والرعاية الصحية. كما يساهم العمل اللائق في تمكين المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، مما يعزز التكافؤ في المجتمع ويقلل من الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
نمو الاقتصاد: المحرك الأساسي للقضاء على الفقر
من أجل تحقيق القضاء على الفقر، يجب أن يكون هناك نمو اقتصادي مستدام يشمل جميع شرائح المجتمع. النمو الاقتصادي في حد ذاته ليس كافياً؛ بل يجب أن يكون شاملاً ويستفيد منه الجميع، سواء من حيث الأجور أو الفرص.
يشير الهدف الثامن إلى أهمية توفير بيئة اقتصادية تدعم ريادة الأعمال، وتحفز الاستثمارات المحلية والدولية، وتشجع على الابتكار. عندما تكون هناك فرص كبيرة للنمو الاقتصادي، يتمكن الأفراد من العثور على فرص عمل لائقة تدعم استدامة حياتهم المالية. كما أن النمو الاقتصادي يساهم في تحسين الخدمات العامة مثل التعليم والصحة، مما يساهم في رفع مستوى حياة الأفراد.
التكامل بين الهدف الأول والهدف الثامن: بناء اقتصاد مستدام وشامل
إن التكامل بين القضاء على الفقر ونمو الاقتصاد لا يتحقق إلا إذا كانت السياسات الاقتصادية والاجتماعية تعمل بشكل منسق. يجب أن تكون الاستثمارات في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية أولوية من أجل خلق بيئة تسمح للناس بتحقيق إمكاناتهم الاقتصادية.
• التعليم والتدريب المهني: يوفر التعليم والتدريب المهني فرصة للشباب للحصول على وظائف لائقة تساهم في بناء الاقتصاد بشكل مستدام. ويؤدي تطوير مهارات الأفراد إلى زيادة إنتاجيتهم، مما يعزز النمو الاقتصادي ويقلل من معدلات البطالة والفقر.
• الاستثمار في القطاع الخاص وريادة الأعمال: يعتبر القطاع الخاص عنصراً مهماً في توليد فرص العمل اللائقة. من خلال تشجيع ريادة الأعمال وخلق بيئة استثمارية داعمة، يمكن للدول أن تولد فرص عمل جديدة في مختلف القطاعات، مما يساهم في تقليل الفقر وتعزيز الاقتصاد المحلي.
• السياسات الاجتماعية المستدامة: ينبغي على الحكومات تبني سياسات اقتصادية تدعم العمالة وتحمي حقوق العاملين. وتشمل هذه السياسات وضع قوانين للأجور العادلة، تحسين ظروف العمل، وتوفير شبكات أمان اجتماعي تساعد الأشخاص في التغلب على الأزمات المالية.
التحديات التي تواجه تحقيق التكامل
رغم أهمية الربط بين القضاء على الفقر ونمو الاقتصاد، فإن هناك تحديات عدة قد تعيق تحقيق هذا التكامل. من أبرز هذه التحديات:
• التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية: رغم النمو الاقتصادي الذي تحققه بعض الدول، إلا أن الفجوات بين الفقراء والأغنياء تظل قائمة، مما يعيق فعالية السياسات المعتمدة.
• البطالة غير المستدامة: قد تكون بعض الوظائف المتاحة لا تحقق الاستدامة الاقتصادية للأفراد، مما يحد من تأثيرها في تخفيف الفقر.
• التغيرات الاقتصادية العالمية: التأثيرات الاقتصادية العالمية مثل الأزمات المالية، تغير المناخ، والأوبئة، قد تؤدي إلى تفاقم الفقر في بعض البلدان.
خاتمة: نحو تحقيق التنمية المستدامة:
إن ربط القضاء على الفقر بنمو الاقتصاد والعمل اللائق يشكل الطريق الأمثل نحو تحقيق تنمية مستدامة وشاملة. لتحقيق هذا الهدف، يتطلب الأمر تعاوناً بين الحكومات، القطاع الخاص، والمجتمع المدني. ويجب أن تكون الاستراتيجيات المعتمدة قائمة على تعزيز الفرص الاقتصادية لجميع الأفراد، مع ضمان أن تكون هذه الفرص مستدامة وتحقق العدالة الاجتماعية.
في إطار هذه الجهود، تظل التحديات قائمة، لكن الإرادة السياسية، والابتكار، والعمل المشترك بين جميع الجهات المعنية يمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي يعكس تطلعات الشعوب نحو عالم خالٍ من الفقر وأكثر استدامة وازدهاراً.
جامعة المستقبل.. الأولى على الجامعات الأهلية في العراق.