لم يعد العالم قرية صغيرة كما كان يُطلق عليه في الآونة الأخيرة، بل أصبح في منعطف يتخوف من التطور الهائل في جميع المجالات، حيث إن التطور بالمنظور الحالي هدم الحدود الجغرافية والسياسية بل حتى الاجتماعية والعائلية، ومنه إلى قضايا الأسرة بواسطة التطور المنقطع النظير في مجال الاتصالات والبرمجة الذكية والذكاء الاصطناعي، وشكّل مجتمعاً من الجائز تسميته بـ (الوطن المعلوماتي) دخل في جميع نواحي الحياة ومنها مجال القضاء.
إن المجال الأسري المحكوم بالعرف والدين والقانون المحلي أصبح عرضة للاختراق (إن لم يكن مخترقاً أصلاً) ولم يعد هنالك ما يسمى بالأسرار والمشاكل العائلية وظهرت للعلن، وبالتالي دخلت في مجال ومرمى الذكاء الاصطناعي.
انطلاقاً مما أسلفت، نثير تساؤلات، وهي:
هل يمكن وضع إطار قانوني للذكاء الاصطناعي في مجال قضايا الأحوال الشخصية؟
ما مدى حجية الذكاء الاصطناعي في مسائل الأحوال الشخصية؟
مما لا يخفى أن مسائل الأحوال الشخصية لها من الخصوصية ما يميزها عن باقي القضايا القانونية، ولهذا أعطى القانون لها هذه الميزة انطلاقاً من خصوصيتها، حيث في قانون المرافعات رقم 83 لسنة 1969 في الكتاب الرابع (محاكم الأحوال الشخصية وإجراءاتها)، نصت المادة 299: (تسري النصوص التالية على الدعاوى الشرعية فإن لم يوجد نص تطبق أحكام المرافعات المبينة بهذا القانون بما يتلاءم وطبيعة الدعاوى الشرعية)، وفي قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 وفي الحديث عن نطاق سريان القانون، نصت المادة 11 /أولاً: (ثالثاً: المسائل غير المالية المتعلقة بالأحوال الشخصية، ما لم يوجد دليل شرعي خاص أو نص في قانون الأحوال الشخصية يقضي بخلاف ما ورد في هذا القانون).
فهذا يعني أن كلا القانونين (المرافعات والإثبات) أقرا بخصوصية مسائل الأحوال الشخصية. ومن هذا المنطلق نرى جملة من المسائل الشرعية لا تسري عليها أحكام قانون المرافعات، مثلاً أن مدة الطعن غير حتمية في دعاوى الطلاق والنسب مثلاً حيث بالإمكان لمحكمة التمييز التصدي لها حتى إن كانت مدة الطعن منقضية، وفي مجال الإثبات لا يجوز الحكم بالتفريق القضائي معلقاً على النكول في حال غياب الزوج وإن كانت أحكام قانون الإثبات تسمح بذلك كقاعدة عامة.
لذا، من الطبيعي أن يكون الذكاء الاصطناعي محدود المجال في مسائل الأحوال الشخصية.
عند الحديث عن موضوع دور الذكاء الاصطناعي في مسائل الأحوال الشخصية، نرى من المستحسن التطرق إليه ضمن مراحل القضايا الشرعية، وهي:
عقد الزواج:
كما هو معلوم أن من أركان عقد الزواج يتمثل في الإيجاب والقبول وموافقتهما للبعض واتحاد المجلس وسماع العاقدين كلام الآخر واستيعابهما بأن المقصود منه عقد الزواج وحضور شهود.
بتحليل هذه الأركان يثور تساؤل، ماذا لو كان المجلس مجلساً افتراضياً، أي وجود الزوج والزوجة مع الشهود في محل والقاضي في محل آخر وتم الاتصال بينهما بواسطة وسائل الذكاء الاصطناعي؟ حيث دولة الإمارات أطلقت في عام 2017 خدمة إلكترونية تعرف باسم (الزواج الذكي) فتكون من خلال اجتماع الزوج والزوجة والشهود والولي في مجلس واحد في مقر وجود روبوت الذي يعمل كأداة اتصال بينهم وبين القاضي الموجود في مجلس آخر، حيث يقوم القاضي بتلقينهما صيغة النكاح وبسماع الشهود وذلك عبر الشاشة ومن ثم يأمر الروبوت بطباعة العقد.
من حيث الصيغة والإيجاب والقبول فهنا قد حدث ذلك كما أن الإشهاد تحقق وذلك بوجودهما في مقر وجود الروبوت مع الزوجين وسماع كلامهما، فنرى بأنه لا مانع من إجراء العقد بهذه الوسيلة لكن بوجود متطلبات منها ربط الروبوت بنظام شامل بكل أرجاء الدولة للوصول إلى جميع بيانات الطرفين من الاسم والتولد والدين والجنس والحالة الزوجية ....الخ) وبلا شك تعديل القوانين ذات الصلة كي تتماشى مع التطور، وأن ذلك ينطبق أيضاً على إصدار الحجج الشرعية الأخرى (وفاة، القسام الشرعي، حجة الوصاية، والقيمومة وغيرها من الحجج).
أما من حيث إدارة الدعوى: إن للذكاء الاصطناعي دوراً بالغ الأهمية لإدارة الدعوى ابتداءً من تسجيلها لغاية انتهائها، فبالإمكان الاستعانة بها لتسجيل الدعوى وتعيين الموعد حسب نوع الدعوى، حيث من الممكن مثلاً الإيعاز بتعيين موعد قريب لدعاوى النفقة أو الدعاوى ذات صفة الاستعجال، أو تعيين موعد يتفق مع طبيعة الدعوى كدعوى التفريق القضائي الذي غالباً ما يتطلب التريث وعدم التسرع، وكذلك إصدار التبليغات أو سماع الشهود في محل آخر غير مجلس القضاء أو حتى سماع الأطراف أو الاستعانة بها في مسائل الخبرة وإلى غير ذلك من المسائل.
لكن يبقى السؤال الأهم، هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل القاضي؟ وهل يمكن له الفصل في الجانب الموضوعي للقضايا؟ مثلاً القيام بإدخال معطيات وطلبات الدعوى ودفوع الخصوم ومن ثم إصدار الروبوت لحكمها الفاصل في الدعوى؟
فالقاضي الذكي (الذكاء الاصطناعي) هو أن يتولى النظام الذكي القضاء استقلالاً بأن يسمع الدعوى والشهود وباقي الأدلة ويدرس القضية بتفاصيلها ثم يصدر الحكم.
فمن المعلوم قانوناً وقضاءً، أن الفصل في القضية وبعد تمحيص الأدلة، يمر بمراحل ذهنية وغالباً دخول مبادئ العدالة كأحد المصادر في الفصل، وأن العدالة في أبسط تعريف لها (هو شعور كامن في النفس يتدخل للحد من حدة وقسوة القاعدة القانونية - أي العدل)، كما أن القاضي يقوم بترجيح الأدلة وخاصة البينة الشخصية حيث له تقدير الشهود من الناحيتين الشخصية والموضوعية لأن الشهادة (توزن ولا تعد) ومنح المرجوح أدلته حق توجيه اليمين الحاسمة إلى الخصم الآخر، أو قد يوجه من تلقاء نفسه اليمين المتممة إلى الخصم الذي يملك دليلاً ناقصاً، كما قد يتعرف القاضي على صدق أو كذب الشهادة من ملاحظاته لأمارات معينة على الشاهد أو من خلال استجوابه، وكما لا يخفى أن القانون أعطى دوراً إيجابياً للقاضي في إدارة الدعوى وتقدير الأدلة واستخلاص قرائن قضائية من القضية المعروضة على ساحة القضاء وقد يمنع القاضي دليلاً أو قضية لمخالفته للنظام أو الآداب العامة.
فمن خلال ما ذكر وجملة من الإجراءات التي لا حصر لها، يقوم القاضي الإنسان بفحص وتمحيص الأدلة والقضية معتمداً على ذهنه وشعوره القضائي ومبادئ العدالة الراسخة في ذهنه كإنسان، الذي لا نجد له مثيلاً في الروبوتات، ناهيك عن الحديث عن جملة من الشروط الشرعية لمن يتولى القضاء.
لذا، نرى أنه لا مانع من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مجال إبرام العقود أو إصدار الحجج الشرعية وفق الضوابط المرسومة لها وكذلك إدارة الدعوى وذلك بعد تعديل القوانين ذات الصلة، كل هذا وبلا شك يكون عاملاً في سرعة حسم القضايا وإيصال الحقوق إلى أصحابها ودفعاً للشكلية، لكن في المقابل لا يمكن أن يحل القاضي الذكي محل القاضي الإنسان على الأقل في قضايا الأحوال الشخصية، وهذا ما تطرق إليه قانون التوقيع الإلكتروني بعدد 78 لسنة 2012 في المادة الثالثة / فقرة ثانياً حيث نصت بعدم سريان القانون على المعاملات المتعلقة بالأحوال الشخصية.