يمثل الجوع وانعدام الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من المجتمعات، ولا سيما في الدول النامية، لما له من انعكاسات خطيرة على الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. وقد أكدت أهداف التنمية المستدامة على أهمية القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي (الهدف الثاني)، بالتوازي مع ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل (الهدف الرابع)، بوصفهما ركيزتين أساسيتين لبناء مجتمعات قادرة على تحقيق الاكتفاء والاستدامة.
إن التعليم الجيد يؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الوعي الغذائي والزراعي، من خلال تزويد الأفراد بالمعارف والمهارات اللازمة لتحسين الإنتاج الزراعي، وترشيد استخدام الموارد الطبيعية، واعتماد التقنيات الحديثة في الزراعة والتصنيع الغذائي. فالمزارع المتعلم أكثر قدرة على تطبيق أساليب زراعية مستدامة، وزيادة الإنتاجية، وتقليل الفاقد الغذائي، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي الوطني.
كما يسهم التعليم في إعداد كوادر متخصصة قادرة على صياغة وتنفيذ سياسات زراعية وغذائية فاعلة، تستند إلى البحث العلمي والابتكار، وتراعي متطلبات الاستدامة البيئية والاقتصادية. ويبرز هنا دور الجامعات والكليات في تطوير البرامج الأكاديمية المرتبطة بالعلوم الزراعية، والاقتصاد الغذائي، والإدارة المستدامة للموارد، وربطها باحتياجات المجتمع وسوق العمل.
ومن جانب آخر، يعزز التعليم الجيد ثقافة التغذية السليمة، ويسهم في تحسين الأنماط الاستهلاكية للأفراد والأسر، بما يقلل من سوء التغذية والهدر الغذائي. كما يدعم التعليم نشر مفاهيم ريادة الأعمال الزراعية، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجالات الإنتاج والتصنيع والتسويق الغذائي، بما يخلق فرص عمل ويسهم في تحسين مستويات الدخل في المناطق الريفية.
إن تحقيق مجتمعات خالية من الجوع يتطلب تكاملًا حقيقيًا بين السياسات التعليمية والسياسات الزراعية والغذائية، بحيث يُنظر إلى التعليم بوصفه أداة استراتيجية لبناء القدرات، وليس مجرد خدمة اجتماعية. فالتعليم النوعي يمكّن الأفراد من المشاركة الفاعلة في تحقيق الأمن الغذائي، ويدعم الابتكار، ويعزز قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات الغذائية والاقتصادية.
وفي الختام، فإن الاستثمار في التعليم الجيد، إلى جانب تبني سياسات زراعية وغذائية رشيدة، يشكل الأساس لتحقيق الأمن الغذائي المستدام وبناء مجتمعات أكثر صحة واستقرارًا. ومن خلال هذا التكامل، يمكن رسم طريق واضح نحو مستقبل خالٍ من الجوع، قائم على المعرفة، والإنتاج، والتنمية الشاملة.