م.م. أحمد محمد جواد
يُعدّ اليوم العالمي للغة العربية، الذي يُحتفى به في الثامن عشر من كانون الأول من كل عام، مناسبة ثقافية ومعرفية مهمة لاستحضار المكانة الرفيعة التي تتبوؤها اللغة العربية بين لغات العالم، بوصفها إحدى اللغات الرسمية الست في منظمة الأمم المتحدة، ووعاءً حضارياً حمل عبر تاريخه الطويل منجزات فكرية وعلمية أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني وتطوره.
اللغة العربية والعلوم: علاقة تكامل وتأثير متبادل
لم تكن اللغة العربية يوماً لغة تواصل فحسب، بل كانت ولا تزال لغة علم ومعرفة. فقد أسهمت إسهاماً جوهرياً في نقل العلوم وتطويرها، ولا سيما خلال العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، حيث أصبحت العربية لغةً للطب، والرياضيات، والفلك، والكيمياء، والفلسفة، والعلوم الإنسانية. وقد تُرجمت إلى العربية مؤلفات الأمم السابقة، ثم أُعيد إنتاجها وتطويرها، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى أوروبا، لتكون منطلقاً لنهضتها العلمية.
وتتميّز اللغة العربية بقدرتها العالية على الاشتقاق والتوليد، ما يجعلها قادرة على استيعاب المفاهيم العلمية الحديثة وصياغة المصطلحات الدقيقة في مختلف التخصصات، سواء في العلوم الطبيعية أو التطبيقية أو الاجتماعية. ومن هنا، فإن تعزيز حضور اللغة العربية في البحث العلمي والتعليم العالي يُعدّ ركيزة أساسية لبناء معرفة راسخة تنطلق من الهوية الثقافية وتواكب التطورات العالمية.
أهمية اللغة العربية في التعليم وبناء الوعي المعرفي
تُسهم اللغة العربية بدور محوري في العملية التعليمية، إذ تمثّل أداة الفهم والتحليل والنقد، ووسيلة بناء التفكير المنهجي لدى المتعلم. فالتعليم باللغة الأم يعزّز الاستيعاب العميق للمفاهيم العلمية، ويرسّخ القدرة على الإبداع والابتكار، ويُسهم في تقليص الفجوة المعرفية. كما أن العناية باللغة العربية في المؤسسات الأكاديمية تُعدّ مؤشراً على جودة التعليم وعمق الانتماء الثقافي.
اللغة العربية والاستدامة: بُعد حضاري وتنموي
تتجاوز علاقة اللغة العربية بالاستدامة الجانب اللغوي إلى بُعد حضاري شامل؛ فاللغة تمثّل ركناً أساسياً من أركان التنمية المستدامة، ولا سيما في بعدها الثقافي والاجتماعي. فالحفاظ على اللغة العربية وتطوير استخدامها في مجالات العلم والإعلام والتكنولوجيا يُسهم في حماية الهوية الثقافية وتعزيز التنوع اللغوي، وهو ما تنادي به أهداف التنمية المستدامة.
كما تؤدي اللغة العربية دوراً مهماً في نشر الوعي بقضايا الاستدامة، مثل حماية البيئة، والأمن الغذائي، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، من خلال الخطاب العلمي والتربوي والإعلامي الموجّه إلى المجتمع. فاللغة الواضحة والرشيقة قادرة على نقل المفاهيم المعقدة وترسيخ السلوكيات الإيجابية الداعمة للاستدامة.
خاتمة
إن الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية ليس احتفالاً رمزياً فحسب، بل هو دعوة متجددة لتعزيز مكانة هذه اللغة العريقة في مختلف مجالات الحياة، ولا سيما في ميادين العلم والبحث الأكاديمي والتنمية المستدامة. فاللغة العربية، بما تمتلكه من عمق تاريخي ومرونة بنيوية، قادرة على مواكبة العصر والمساهمة الفاعلة في بناء مستقبل معرفي مستدام، متى ما توفرت الإرادة المؤسسية والوعي المجتمعي بدورها المحوري.