يُعدّ الجيش العراقي واحدًا من أقدم الجيوش في تاريخ البشرية، إذ تعود جذوره إلى فجر الحضارة في وادي الرافدين، حيث نشأت أولى المدن والدول المنظمة، وقد كشفت النصوص المسمارية السومرية والبابلية عن الدور المحوري للمؤسسة العسكرية في بناء الدولة وحماية المجتمع وترسيخ مفاهيم السيادة والنظام، الأمر الذي يجعل الجيش العراقي الحديث امتدادًا حضاريًا متصلًا لا ينقطع ففي العصر السومري، ارتبط الجيش ارتباطًا وثيقًا بالسلطة السياسية والدينية، إذ كان الملك المعروف بلقب لوكال (Lugal)، القائد الأعلى للجيش والممثل الشرعي لإرادة الآلهة على الأرض وتشير النصوص المسمارية إلى أن مهمة الجيش لم تكن القتال وحده، بل حماية المدن وتأمين الأراضي الزراعية والدفاع عن موارد الحياة،وعبّرت النصوص السومرية عن هذه الفكرة بوضوح، إذ جاء في أحد المقاطع ذات الطابع التمجيدي:
uru lugal-ki šag₄-ge me-en du₁₀-ga
(أنا حارس مدينة الملك، أقف بقوة وخير).
ويؤكد هذا النص أن الجندي السومري كان يُنظر إليه بوصفه حامي المدينة وركيزة بقائها، ليس مجرد مقاتل ،كما تُظهر النقوش التاريخية الفنية، مثل مسلة النسور، مشاهد لجنود مصطفّين في تشكيلات منظمة يحملون الرماح والدروع، في دلالة واضحة على وجود جيش نظامي وانضباط عسكري كما تؤكد النصوص المسمارية أن الحرب في الفكر السومري كانت فعلًا مقدسًا، تُخاض بإرادة الآلهة وتحت رعايتها، اذ ارتبط الجيش مباشرة بالإله إنليل، إله السلطة والنظام الكوني، كما جاء في أحد النصوص:
dingir Enlil ki-ge me-en ḫe₂-ti-la
(بإرادة الإله إنليل، نقف أحياءً أقوياء).
ويعكس هذا المقطع إيمان السومريين بأن بقاء المدينة وانتصار الجيش مرهونان بالرضا الإلهي، وأن الجندية رسالة مقدسة قبل أن تكون واجبًا عسكريًا، ومع قيام الدولة البابلية، ولا سيما في عهد الملك حمورابي تطور الجيش من حيث التنظيم والإدارة وتكشف النصوص الإدارية والقانونية عن وجود سجلات للجنود، وتنظيم للخدمة العسكرية، ومنح أراضٍ للمقاتلين مقابل التزامهم بالدفاع عن الدولة وارتبط الجيش البابلي بالإله مردوخ، رمز الدولة والشرعية، كما ورد في النصوص:
ina šum Marduk ummânu išakkan
(باسم مردوخ، يُقيم الجيش النصر)
ويظهر هذا النص بوضوح أن القوة العسكرية كانت تُعدّ وسيلة لتحقيق العدالة وحفظ النظام، وهو ما تؤكده مقدمة شريعة حمورابي التي تربط بين النصر العسكري واستقرار المجتمع، كما يمكننا الإضافة ألى المكانة المميزة التي احتلها الجندي العراقي بوصفه حامي الأرض والتي أشارت إليها النصوص المسمارية البابلية، بل ورد التعبير عنه بوضوح:
ṣābu niṣir mātim
(الجندي هو حارس الأرض والوطن) .
إن قراءة هذه النصوص المسمارية تكشف أن القيم التي تأسس عليها الجيش العراقي القديم، مثل الانضباط، والتضحية، والولاء للأرض، ليست طارئة، بل هي جزء من منظومة حضارية متجذرة ، فالجيش العراقي الحديث يحمل هذا الإرث العريق ويواصل دوره في حماية الوطن وصون سيادته.
وفي الختام، أود أن اشير الى أن جنود سومر وبابل الذين دوّنوا بطولاتهم على ألواح الطين، إلى جنود العراق اليوم الذين يحمون الوطن بدمائهم، تستمر رسالة واحدة عبر آلاف السنين، يمكن اختصارها بمقطع رمزي خالد:
ki-ge me-en ṣābu dāru
(نحن باقون… جيشٌ خالد)
وهكذا يظل الجيش العراقي حضارة الوطن، شاهدًا حيًّا على عراقة العراق، وحارسًا لتاريخه، وامتدادًا لإنسانه الأول الذي حمل السلاح دفاعًا عن الأرض والحياة.