تُعدّ الفيزياء الطبية من التخصصات البينية الحيوية التي تطبّق مبادئ وتقنيات الفيزياء في المجال الطبي، ولا سيما في مجالات التشخيص والعلاج ورعاية المرضى. ومن خلال دمج الفيزياء مع علم الأحياء والممارسة السريرية، أسهمت الفيزياء الطبية بشكل كبير في تطوير تقنيات الرعاية الصحية الحديثة، مما أدى إلى تحسين دقة التشخيص ورفع كفاءة العلاجات الطبية.
يُعدّ التصوير الطبي أحد أهم مجالات الفيزياء الطبية، إذ يُشكّل ركيزة أساسية للتشخيص الدقيق. يشارك الفيزيائيون الطبيون بشكل فعّال في تطوير وتحسين تقنيات التصوير المختلفة مثل الأشعة السينية، والتصوير المقطعي المحوسب (CT)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، والموجات فوق الصوتية، إضافة إلى تقنيات الطب النووي مثل التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) والتصوير المقطعي بالإصدار الفوتوني المفرد (SPECT). وتتيح هذه التقنيات للأطباء رؤية الأعضاء والأنسجة والعمليات الفسيولوجية داخل الجسم بدقة عالية، مما يساعد على الكشف المبكر عن أمراض مثل السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات العصبية.
إلى جانب التصوير الطبي، تلعب الفيزياء الطبية دورًا محوريًا في العلاج الإشعاعي، الذي يُعدّ من أكثر العلاجات فاعلية في مكافحة السرطان. إذ يتولى الفيزيائيون الطبيون مسؤولية تصميم ومعايرة خطط العلاج الإشعاعي بحيث تُوجَّه جرعات دقيقة من الإشعاع إلى الورم، مع تقليل التعرض الإشعاعي للأنسجة السليمة المحيطة. وتُعدّ التقنيات المتقدمة مثل العلاج الإشعاعي المعدّل الشدة (IMRT)، والعلاج الإشعاعي الموجّه بالصور (IGRT)، والعلاج بالبروتونات من أبرز إنجازات الفيزياء الطبية، والتي أسهمت في تحسين نتائج العلاج وتقليل الآثار الجانبية، مما انعكس إيجابًا على جودة حياة المرضى.
كما تسهم الفيزياء الطبية بشكل فعّال في مجال الطب النووي، حيث تُستخدم المواد المشعّة لأغراض تشخيصية وعلاجية. ويعمل الفيزيائيون الطبيون على ضمان الاستخدام الآمن للمواد المشعة، وتحسين بروتوكولات التصوير، والمساهمة في تطوير مستحضرات صيدلانية مشعّة جديدة تستهدف أعضاء أو عمليات مرضية محددة. وقد أتاح هذا المجال التصوير الوظيفي، الذي لا يقتصر على إظهار البنية التشريحية فحسب، بل يقدّم معلومات عن النشاطات الأيضية والكيميائية الحيوية داخل الجسم.
ومن الجوانب المهمة الأخرى للفيزياء الطبية مجال الحماية الإشعاعية والسلامة. إذ يضع الفيزيائيون الطبيون معايير السلامة، ويراقبون الجرعات الإشعاعية، ويضمنون الالتزام بالإرشادات والمعايير الدولية لحماية المرضى والعاملين في المجال الصحي والجمهور من التعرض غير الضروري للإشعاع. ويُعدّ هذا الدور أساسيًا لتحقيق التوازن بين الفوائد الطبية للإشعاع والمخاطر المحتملة.
وفي السنوات الأخيرة، توسّع مجال الفيزياء الطبية ليشمل مجالات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي، والنمذجة الحاسوبية، والطب الشخصي. ومن خلال استخدام الخوارزميات المتقدمة والمحاكاة الرقمية، يسهم الفيزيائيون الطبيون في تصميم أساليب تشخيصية وعلاجية مخصّصة لكل مريض على حدة، مما يزيد من دقة وفعالية الرعاية الطبية.
جامعة المستقبل الأولى على الجامعات العراقية الأهلية