بقلم: المدرس الدكتور احمد حسن الجنابي
دعونا نضع النقاط على الحروف، وننظر إلى واقعنا بعين فاحصة، بعيداً عن الانبهار السطحي ببريق الشاشات. عندما نجلس اليوم في مقاهي المدينة أو أروقة جامعاتنا المزدحمة، ونرى الرؤوس المنحنية جماعياً نحو الهواتف الذكية، ندرك أننا في قلب عاصفة تغيير غير مسبوقة. إنها الثورة الرقمية التي وعدتنا بالفردوس الأرضي؛ تعليم أسرع، تواصل بلا حدود، ورفاهية اقتصادية.
لكن، وفي خضم هذا الطوفان التكنولوجي، هل تجرأنا على طرح السؤال المحرم: ما هو الثمن الذي ندفعه بصمت مقابل هذه الرفاهية؟
وهم التواصل.. وحقيقة "الغربة" الجماعية المفارقة الموجعة في عصرنا هذا، أننا نمتلك أدوات اتصال لم يحلم بها أجدادنا، ومع ذلك نعاني من "غربة اجتماعية" خانقة. لقد تحولنا تدريجياً إلى جزر منعزلة؛ نستبدل دفء المصافحة الحقيقية بـ "لايك" بارد على وسائل التواصل. هذا الانغماس الكلي لم يخلق فقط جيلاً يعاني من القلق النفسي والإدمان الرقمي، بل جعلنا نتساءل بجدية: هل نحن من نستخدم هذه الأدوات لخدمتنا، أم أنها هي التي تستنزف أرواحنا ووقتنا؟
سباق البقاء.. والقلق على المستقبل الهاجس الذي يؤرق منام كل طالب جامعي اليوم هو "غدر المستقبل". نعم، التكنولوجيا فتحت آفاقاً جديدة، لكنها جلبت معها غول "الأتمتة" والذكاء الاصطناعي الذي بدأ يزاحم البشر في أرزاقهم. إن الخوف ليس من التطور، بل من اتساع "الفجوة الرقمية" التي قد تترك الكثيرين على رصيف البطالة إذا لم يطوروا مهاراتهم بسرعة الضوء لمواكبة هذا الوحش التقني.
أنت الهدف.. وعقلك هو "الثغرة" وهنا نصل إلى مربط الفرس، وإلى الجانب الأكثر ظلامية في هذه الثورة. في السابق، كنا نخشى الفيروسات التي تضرب حواسيبنا، أما اليوم، فالخطر الحقيقي هو الذي يستهدف "عقولنا". إن ما يعرف بـ "الهندسة الاجتماعية" هو اللعبة القذرة الجديدة؛ فالمخترقون لم يعودوا بحاجة لكسر أنظمة البنوك المعقدة، بل يكفيهم خداعك أنت بـ "إيميل" مزيف أو رسالة عاطفية لتسلمهم مفاتيح حياتك طواعية. في هذا السياق، يصبح الإنسان – بقلة وعيه أو طيبته الزائدة – هو الحلقة الأضعف التي يراهن عليها القراصنة، وليس ضعف النظام التقني.
واخيراً...الوعي قبل التكنولوجيا إن الثورة الرقمية قطار سريع لن يتوقف، ومحاولة الوقوف أمامه انتحار، لكن الركوب فيه دون وعي هو غفلة. التحدي أمامنا ليس في رفض التكنولوجيا، بل في "ترويضها". علينا أن نتسلح بالوعي الأمني كخط دفاع أول، وأن نوازن بين استهلاكنا الرقمي وحياتنا الواقعية، لنضمن أننا نحن من يقود هذا المستقبل، وليس مجرد أرقام وبيانات في خوارزميات لا تعرف الرحمة.