مقدمة: روح الصخر في وادي الرافدين
لم يكن النحات العراقي القديم مجرد فنان، بل كان وسيطاً بين الأرض والسماء، وبين الملك والرعية. في بيئة تفتقر إلى الصخور الصلبة في الجنوب (سومر وبابل)، استورد الفنانون الحجر من البعيد ليحولوه إلى أعمال خالدة، بينما استثمر الآشوريون في الشمال وفرة "المرمر الموصلي" ليخلقوا أضخم الملاحم البصرية في التاريخ القديم.
أولاً: النحت السومري (فجر السلالات) - لغة العيون الواسعة
تميز النحت السومري بالروحانية العالية والتركيز على التعبد.
السمات الفنية: العيون الواسعة المرصعة باللازورد (دليل على اليقظة الروحية)، واليدان المضمومتان فوق الصدر (وضعية الصلاة).
أهم الأعمال: * تماثيل تل أسمر: مجموعة من التماثيل المتفاوتة الأحجام التي تمثل المتعبدين في حالة ذهول قدسي أمام الإله.
رأس الوركاء: يُعد أقدم محاولة لتمثيل الوجه البشري بالحجم الطبيعي، متميزاً بتناسق تشريحي مذهل يعود للألف الرابع قبل الميلاد.
ثانياً: النحت البابلي - هيبة القانون والرمزية
انتقل الفن البابلي من الروحانية المحضة إلى تكريس سلطة الدولة والقانون، مع الحفاظ على مسحة جمالية رشيقة.
السمات الفنية: الاتزان في التكوين، العناية بتفاصيل الملابس، والدمج بين النص المسماري والشكل النحتي.
أهم الأعمال:
مسلة حمورابي: عمل نحتي وسياسي متكامل؛ في قمتها نجد نحتاً بارزاً للملك حمورابي يتسلم القوانين من إله الشمس "شمش"، مما يعطي شرعية إلهية للعدالة الأرضية.
أسد بابل: تمثال ضخم من الحجر الأسود يمثل القوة والسيطرة، حيث يظهر الأسد جاثماً فوق عدوه، في رمزية واضحة لسطوة الإمبراطورية البابلية.
ثالثاً: النحت الآشوري - ملحمة القوة والحركة
يُعد النحت الآشوري ذروة "النحت البارز" (Relief) في العالم القديم، حيث تحولت جدران القصور إلى شاشات عرض عملاقة تسجل الانتصارات والرحلات.
السمات الفنية: الدقة التشريحية الفائقة (إبراز العضلات والعروق)، تصوير الحركة الديناميكية، واستخدام الحيوانات الخرافية لحماية المداخل.
أهم الأعمال:
الثور المجنح (لاماسو): كائن خرافي برأس إنسان وجسد ثور وأجنحة صقر، يمتلك خمس سيقان ليبدو ثابتاً من الأمام ومتحركاً من الجانب، وهو قمة الذكاء الهندسي والنحتي.
نحت "اللبؤة الجريحة": مشهد من رحلات الصيد الملكية يصور معاناة الحيوان بدقة تشريحية وعاطفية أبكت نقاد الفن المعاصرين.
الخلاصة: عبقرية الاستمرارية
إن النحت العراقي القديم لم يفشل قط في مواءمة المادة مع المعنى؛ فالسومري نَحَتَ "الروح"، والبابلي نَحَتَ "النظام"، والآشوري نَحَتَ "القوة". هذه الأعمال ليست مجرد آثار، بل هي الجذور التي استمد منها فن النحت العالمي هيبته وقواعده الأولى..
بعض الاعمال
1ـ تماثيل تل أسمر (النحت السومري): تعكس الروحانية والعيون الواسعة التي تميزت بها الحضارة السومرية
2ـ. مسلة حمورابي (النحت البابلي): تظهر الملك حمورابي أمام إله الشمس في أعلى المسلة الشهيرة
3ـالثور المجنح - لاماسو (النحت الآشوري): يمثل ذروة القوة والدقة في النحت الآشوري الضخم
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .