أدى التقدم المتسارع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى إحداث تحولات جذرية في أنماط الحياة والعمل، وأسهم في توسّع الفضاء الرقمي بوصفه مجالًا جديدًا للتفاعل الإنساني والاقتصادي والثقافي. غير أن هذا التطور صاحبه تصاعد ملحوظ في الجرائم الإلكترونية التي أصبحت تمثل تهديدًا حقيقيًا للأمن المجتمعي والاقتصادي والقانوني على المستويات المحلية والدولية.
تشمل الجرائم الإلكترونية طيفًا واسعًا من الممارسات غير المشروعة، مثل الاحتيال المالي عبر الإنترنت، سرقة الهويات الرقمية، اختراق الأنظمة الحكومية والمصرفية، الابتزاز الإلكتروني، التجسس السيبراني، وترويج البرمجيات الخبيثة. وتكمن خطورة هذه الجرائم في أنها تُرتكب في بيئة افتراضية لا تعترف بالحدود الجغرافية، مما يمنح مرتكبيها قدرة عالية على التخفي ويصعّب عملية تعقّبهم قانونيًا.
ويُعد التشريع القانوني أحد أبرز محاور المواجهة مع هذه الجرائم، إلا أنه يواجه تحديات متعددة، يأتي في مقدمتها عدم مواكبة القوانين للتطور التقني. فالكثير من التشريعات التقليدية وُضعت لمعالجة جرائم مادية واضحة المعالم، في حين أن الجرائم الإلكترونية تتسم بالتعقيد والتجدد المستمر، ما يستدعي قوانين مرنة وقابلة للتحديث.
كما يبرز تحدي الإثبات القانوني للجريمة الإلكترونية، إذ تعتمد التحقيقات على الأدلة الرقمية التي تتطلب خبرات تقنية متخصصة للحفاظ عليها وتحليلها، فضلًا عن الحاجة إلى بنى تحتية رقمية وقضائية قادرة على التعامل مع هذا النوع من الجرائم بكفاءة عالية. ويضاف إلى ذلك تعقيد التعاون القضائي الدولي نتيجة اختلاف الأنظمة القانونية وتباين تعريف الجريمة الإلكترونية من دولة إلى أخرى.
ومن التحديات المهمة أيضًا مسألة حماية الحقوق الرقمية والخصوصية، حيث يتوجب على المشرّع تحقيق توازن دقيق بين تعزيز الأمن السيبراني ومنع الانتهاكات، وبين ضمان حقوق الأفراد في حرية التعبير وحماية بياناتهم الشخصية من الاستغلال أو المراقبة غير المشروعة.
وانطلاقًا من هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجيات شاملة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، تشمل تحديث التشريعات، وبناء قدرات بشرية متخصصة في الأمن السيبراني والتحقيق الرقمي، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، إضافة إلى نشر الوعي القانوني والسيبراني بين أفراد المجتمع، ولا سيما فئة الشباب وطلبة الجامعات.
وتنسجم هذه الجهود مع هدف التنمية المستدامة السادس عشر (السلام والعدل والمؤسسات القوية)، الذي يؤكد على بناء مؤسسات فعّالة وخاضعة للمساءلة، وتعزيز سيادة القانون، وضمان الوصول إلى العدالة للجميع. فمكافحة الجرائم الإلكترونية من خلال تشريعات فعّالة وأنظمة قانونية متطورة تسهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات، وحماية المجتمعات من التهديدات الرقمية، ودعم الاستقرار والتنمية المستدامة.
وفي الختام، لم تعد الجرائم الإلكترونية قضية تقنية فحسب، بل أصبحت قضية قانونية ومجتمعية تتطلب تضافر الجهود التشريعية والتقنية والتوعوية لبناء فضاء رقمي آمن، قادر على مواكبة التحول الرقمي وحماية حقوق الأفراد وتحقيق التنمية المستدامة...جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .