يمثل الفن القوطي مرحلة مفصلية في تاريخ التصميم الداخلي الأوروبي، إذ شهدت الفضاءات الداخلية تحولًا جوهريًا من مجرد أطر إنشائية وظيفية إلى تجارب بصرية وروحية متكاملة. اعتمد هذا التحول على عناصر أساسية أبرزها الارتفاع العمودي، والضوء الطبيعي، واستخدام الزجاج الملون، بهدف خلق حالة تأملية تعكس العلاقة الرمزية بين الإنسان والسماء داخل الفضاء المعماري. نشأ الفن القوطي في أوروبا خلال الفترة الممتدة من القرن الثاني عشر حتى القرن الخامس عشر، وارتبط ارتباطًا وثيقًا بالدين المسيحي والمؤسسات الكنسية، الأمر الذي انعكس بوضوح على طبيعة تصميم الفضاءات الداخلية، حيث لم تعد تؤدي وظيفة مادية فحسب، بل أصبحت خطابًا بصريًا يحمل أبعادًا دينية وروحية عميقة.
اعتمد النظام الإنشائي القوطي على الهيكل الحجري بدل الجدران السميكة التقليدية، مما أدى إلى ظهور الأقواس المدببة، والدعامات الطائرة، والأسقف المركبة. وقد أتاح هذا التطور الإنشائي تحرير الجدران وفتحها أمام النوافذ العملاقة، ليصبح الضوء عنصرًا تصميميًا رئيسيًا يسهم في تشكيل الفضاء الداخلي وإضفاء طابع روحاني عليه. ولم يكن الضوء في العمارة القوطية عنصرًا إنشائيًا فحسب، بل اكتسب دلالة رمزية تعكس النور الإلهي والمعنى الروحي للمكان.
وتُعد النوافذ القوطية المزودة بالزجاج الملون من أبرز السمات الجمالية في التصميم الداخلي القوطي، إذ صُوّرت عليها مشاهد دينية مستوحاة من الكتاب المقدس، فتحول الضوء الداخل عبرها إلى وسيط بصري يحمل رموزًا دينية، ويمنح الفضاء الداخلي طابعًا ديناميكيًا متغيرًا تبعًا لحركة الشمس. وبهذا أصبح الفضاء الداخلي أشبه بلوحة فنية متحركة تتداخل فيها الألوان والضوء لتعزيز البعد الروحي للتجربة المعمارية.
كما اتسمت الفضاءات القوطية بغنى زخرفي واضح، حيث انتشرت الزخارف النباتية والحيوانية والإنسانية، وارتبطت الفتحات المعمارية بالأقواس المدببة التي عززت الإحساس بالارتفاع والسمو. وصُممت السلالم بتكوين حلزوني يجمع بين القوة الإنشائية والجمالية الفنية، ليؤدي دورًا وظيفيًا ورمزيًا في آنٍ واحد داخل الفضاء.
أما الأثاث القوطي فقد اتسم بالضخامة والقوة، وكان محدود الانتشار بين عامة الناس، في حين تميز بالثراء والزخرفة في القصور والفضاءات الدينية. ظهرت المناضد الطويلة، والكراسي ذات الظهور العالية، والصناديق متعددة الاستخدام، إضافة إلى الأسرّة المزينة بالستائر، واستخدمت المفصلات المعدنية كعنصر بنائي وزخرفي يعكس متانة الأثاث وطابعه الرسمي.
وساهمت مكملات الفضاء في تعزيز وحدة التصميم القوطي، حيث استُخدم السجاد الجداري، والأنسجة الملونة، والستائر الثقيلة، والشمعدانات، والتماثيل ذات الطابع الديني والخرافي، لتشكيل بيئة داخلية متكاملة تحمل بعدًا بصريًا ورمزيًا موحدًا. ويمثل التصميم الداخلي القوطي انتقالًا واضحًا من العمارة المادية إلى العمارة الروحية، حيث أصبح الضوء، والارتفاع، والزخرفة عناصر جوهرية في صياغة التجربة الداخلية للإنسان داخل الفضاء المعماري.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .
الهدف 11 – المدن و المجتمعات المستدامة