المهندسة تبارك محسن عاشور
تُعد تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (Carbon Capture and Storage – CCS) من أبرز المجالات الاستراتيجية في الهندسة الكيميائية الحديثة، لما لها من دور محوري في خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون الناتجة عن الصناعات الثقيلة ومحطات توليد الطاقة، خصوصًا في ظل التحديات المناخية المتصاعدة والسعي العالمي نحو الحياد الكربوني. تقوم الفكرة الأساسية لهذه التقنيات على فصل غاز CO₂ من الغازات المنبعثة قبل إطلاقها إلى الغلاف الجوي، ثم ضغطه ونقله عبر أنابيب خاصة ليُخزن في تكوينات جيولوجية عميقة مثل المكامن النفطية المستنفدة أو الطبقات الملحية، أو يُعاد استخدامه صناعيًا ضمن ما يُعرف باحتجاز واستخدام وتخزين الكربون (CCUS). وتعتمد عمليات الاحتجاز على مسارات تقنية متعددة تشمل الاحتجاز بعد الاحتراق باستخدام مذيبات كيميائية مثل الأمينات لامتصاص CO₂ من غازات المداخن، والاحتجاز قبل الاحتراق عبر تحويل الوقود إلى غاز تخليقي ثم فصل الكربون قبل عملية الاحتراق، إضافة إلى تقنية الاحتراق بالأوكسجين النقي التي تنتج غاز عادم عالي التركيز من CO₂ يسهل فصله وضغطه. وهنا يظهر الدور الجوهري للمهندس الكيميائي في تصميم أبراج الامتصاص، وتحسين خصائص المذيبات، وتطوير مواد امتزاز صلبة متقدمة مثل الأطر المعدنية العضوية، وتصميم أغشية انتقائية عالية الكفاءة، فضلًا عن تقليل استهلاك الطاقة عبر تكامل العمليات الحرارية وتقنيات استرجاع الحرارة، إذ تُعد عقوبة الطاقة وارتفاع الكلفة الرأسمالية من أبرز التحديات التي تواجه هذه الأنظمة. كما يتطلب التخزين طويل الأمد دراسات دقيقة في ميكانيكا الموائع تحت السطحية، وتحليل استقرار الطبقات الجيولوجية، وضمان عدم حدوث تسربات تؤثر في السلامة البيئية. ومع تطور مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون، لم يعد ثاني أوكسيد الكربون يُنظر إليه بوصفه مجرد ملوث، بل كمادة أولية يمكن تحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية مثل الميثانول واليوريا والوقود الاصطناعي ومواد البناء المعززة بالكربون، بل وحتى استخدامه في تعزيز استخلاص النفط، مما يفتح آفاقًا صناعية جديدة ويُحسن الجدوى الاقتصادية للتقنية. كذلك يمكن دمج أنظمة الاحتجاز مع إنتاج الهيدروجين الأزرق، حيث يُنتج الهيدروجين من الغاز الطبيعي مع التقاط الانبعاثات المصاحبة، أو تشغيل وحدات الفصل باستخدام الطاقة المتجددة لتقليل البصمة الكربونية الكلية. إن احتجاز الكربون يمثل منظومة هندسية متكاملة تجمع بين الديناميكا الحرارية وانتقال الكتلة وتصميم المفاعلات وتحليل العمليات وتقييم دورة الحياة والدراسات الاقتصادية، ما يجعله من أكثر المجالات تكاملًا وتعقيدًا في الهندسة الكيميائية المعاصرة. ومن دون هذه التقنيات سيكون تحقيق أهداف خفض الانبعاثات العالمية أكثر صعوبة وكلفة، خصوصًا في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها بالكامل، ولذلك يُعد تطوير أنظمة احتجاز أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة وأدنى كلفة استثمارية أحد أهم أولويات البحث العلمي والتطبيق الصناعي في العقود القادمة، بما يضمن تحقيق توازن مستدام بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وصون الموارد للأجيال المستقبلية.