شهدت بيئات العمل في السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في آليات الحفاظ على صحة العاملين وسلامتهم، مدفوعًا بالتطور المتسارع في تقنيات الاستشعار، وإنترنت الأشياء، وتحليل البيانات. فلم تعد إجراءات السلامة المهنية تقتصر على التعليمات التقليدية أو الفحوص الدورية، بل أصبحت تعتمد على أنظمة ذكية قادرة على المراقبة المستمرة والاستجابة الفورية للمخاطر المحتملة. ويأتي هذا التحول في إطار توجه عالمي ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة، ولا سيما الهدف الثالث المعني بالصحة الجيدة والرفاه.
تلعب الأجهزة القابلة للارتداء دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ تُمكّن من جمع بيانات فسيولوجية وبيئية بشكل لحظي أثناء أداء الموظفين لمهامهم. وتشمل هذه الأجهزة ساعات ذكية، وأساور استشعار، وخوذات مزودة بحساسات، وملابس ذكية قادرة على قياس مؤشرات حيوية مثل معدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، ونسبة الأكسجين في الدم، إضافة إلى مراقبة مستوى الإجهاد البدني والتعرض للغازات أو درجات الحرارة المرتفعة. وتُرسل هذه البيانات إلى منصات تحليل مركزية تسمح برصد أي تغيرات غير طبيعية قد تشير إلى خطر صحي وشيك، مما يتيح التدخل المبكر قبل تفاقم الحالة.
وتبرز أهمية هذه التقنيات بشكل خاص في القطاعات عالية الخطورة مثل الصناعات الثقيلة، والمناجم، وقطاع البناء، والرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال، يمكن لأنظمة الاستشعار اكتشاف مؤشرات الإرهاق أو الإجهاد الحراري لدى العاملين في البيئات الحارة، والتنبيه تلقائيًا بضرورة التوقف أو أخذ استراحة، وهو ما يسهم في تقليل الحوادث المرتبطة بالإجهاد أو فقدان التركيز. كما يمكن تتبع الحركات المتكررة والوضعيات غير الصحيحة للجسم، وتحليلها لتفادي الإصابات العضلية الهيكلية التي تُعد من أكثر الإصابات المهنية شيوعًا.
إلى جانب الأجهزة القابلة للارتداء، يؤدي توظيف تكنولوجيا المعلومات دورًا تكامليًا في تعزيز السلامة والصحة المهنية. فمن خلال أنظمة إدارة الصحة والسلامة الرقمية، يمكن توثيق الحوادث، وتحليل أسبابها الجذرية، واستخلاص أنماط متكررة تساعد في وضع استراتيجيات وقائية فعّالة. كما تتيح تقنيات تحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي التنبؤ بمناطق الخطر أو الفترات الزمنية التي يزداد فيها احتمال وقوع الحوادث، بناءً على بيانات تاريخية ومعطيات آنية.
وتُسهم هذه الأنظمة أيضًا في تحسين ظروف العمل من خلال دعم اتخاذ القرار المبني على البيانات. فالإدارة قادرة على تقييم تأثير ساعات العمل الطويلة، أو ضغط المهام، أو توزيع القوى العاملة على الصحة العامة للموظفين، ومن ثم تعديل السياسات بما يعزز التوازن بين الإنتاجية والرفاه الوظيفي. كذلك تُستخدم منصات رقمية لتقديم برامج تدريبية تفاعلية حول السلامة المهنية، تُمكّن العاملين من اكتساب مهارات الاستجابة للطوارئ بطرق أكثر فعالية.
مع ذلك، تثير هذه التطورات تحديات تتعلق بخصوصية البيانات وأمنها، حيث إن جمع البيانات الصحية للعاملين يتطلب أطرًا قانونية وتنظيمية واضحة تضمن عدم إساءة استخدامها. لذا فإن نجاح تطبيق هذه التقنيات يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين حماية صحة الموظفين واحترام خصوصيتهم، إضافة إلى تعزيز الشفافية والثقة بين الإدارة والعاملين.
في المجمل، تمثل التكنولوجيا أداة استراتيجية لإحداث نقلة نوعية في منظومة الصحة المهنية، من نموذج تفاعلي يعتمد على الاستجابة بعد وقوع الحادث، إلى نموذج استباقي يعتمد على التنبؤ والوقاية. ومن خلال الدمج الذكي بين الأجهزة القابلة للارتداء وأنظمة المعلومات المتقدمة، يمكن خلق بيئات عمل أكثر أمانًا وصحة واستدامة، بما ينعكس إيجابًا على الفرد والمؤسسة والمجتمع على حد سواء.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.