تُعد الحوسبة العصبية المستوحاة من الدماغ (Neuromorphic Computing) أحد الاتجاهات المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى إلى تصميم أنظمة حاسوبية تحاكي البنية والوظائف العصبية للدماغ البشري. يعتمد هذا المجال على فهم آلية عمل الخلايا العصبية والتشابكات العصبية في الدماغ، ومن ثم ترجمتها إلى دوائر إلكترونية ومعالجات قادرة على تنفيذ عمليات معالجة المعلومات بطريقة مشابهة للطبيعة البيولوجية. بخلاف الحوسبة التقليدية التي تعتمد على البنية المتسلسلة لمعمارية John von Neumann، فإن الحوسبة العصبية تعتمد على المعالجة المتوازية واسعة النطاق، مما يمنحها كفاءة عالية في استهلاك الطاقة وسرعة في الاستجابة. من أبرز الأمثلة على هذا التوجه شريحة IBM TrueNorth التي طورتها IBM، والتي تحتوي على ملايين العصبونات الاصطناعية ومليارات المشابك الإلكترونية، إضافة إلى معالج Intel Loihi الذي طورته Intel لدعم التعلم العصبي المتقدم. تعتمد هذه الأنظمة غالباً على الشبكات العصبية النبضية (Spiking Neural Networks) التي تحاكي آلية انتقال الإشارات الكهربائية بين الخلايا العصبية. تتميز الحوسبة العصبية بقدرتها على تنفيذ مهام التعرف على الأنماط، ومعالجة الصور، وتحليل الإشارات الحسية بكفاءة طاقية عالية، مما يجعلها مناسبة للتطبيقات المحمولة والأجهزة الذكية ذات الموارد المحدودة. كما تُستخدم في الروبوتات ذاتية التعلم، والأنظمة البيومترية، والتطبيقات الطبية مثل تحليل تخطيط الدماغ. وتكمن أهميتها في تقليل الفجوة بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البيولوجي، عبر تطوير أنظمة أكثر تكيفاً ومرونة وقدرة على التعلم المستمر. ومع استمرار الأبحاث، يُتوقع أن تسهم الحوسبة العصبية في إحداث تحول جذري في تصميم المعالجات المستقبلية، وتقديم حلول أكثر استدامة وذكاءً في مختلف القطاعات العلمية والتقنية.