تُعدّ مقاومة الأنسولين من الاضطرابات الاستقلابية الشائعة التي تمثل محورًا أساسيًا في نشوء العديد من الأمراض المزمنة، لاسيما اضطرابات الغدد الصماء والمتلازمات الأيضية. وتحدث هذه الحالة عندما تنخفض استجابة الخلايا لهرمون الأنسولين رغم وجوده بمستويات طبيعية أو مرتفعة في الدم، مما يؤدي إلى خلل في تنظيم سكر الدم واضطراب في التوازن الهرموني العام. إن فهم الآليات المرضية الكامنة وراء هذه الحالة يُعد خطوة جوهرية في تشخيصها المبكر ووضع استراتيجيات علاجية فعالة للحد من مضاعفاتها.
أولًا: الآليات المرضية لمقاومة الأنسولين
تنشأ مقاومة الأنسولين نتيجة خلل في الإشارات الخلوية المرتبطة بمستقبلات الأنسولين، إذ تتأثر عملية ارتباط الأنسولين بمستقبله على سطح الخلية أو تتعطل المسارات الداخلية المسؤولة عن نقل الإشارة، مثل مسار (IRS-1) ومسار (PI3K/Akt). يؤدي هذا الخلل إلى انخفاض دخول الغلوكوز إلى الخلايا العضلية والدهنية، وزيادة إنتاج الغلوكوز من الكبد.
كما تلعب السمنة، خصوصًا تراكم الدهون الحشوية، دورًا محوريًا في تعزيز هذه المقاومة من خلال إفراز السيتوكينات الالتهابية مثل TNF-α و IL-6، التي تُحدث حالة من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، مما يفاقم الخلل الاستقلابي.
ثانيًا: اضطرابات التوازن الهرموني المصاحبة
لا تقتصر تأثيرات مقاومة الأنسولين على اضطراب سكر الدم فحسب، بل تمتد لتشمل اختلالًا في عدة محاور هرمونية، منها:
محور الأنسولين–الغلوكاغون: يختل التوازن بين الهرمونين مما يزيد من فرط سكر الدم.
المحور الوطائي–النخامي–الكظري: قد يرتفع الكورتيزول، مما يعزز مقاومة الأنسولين.
الهرمونات التناسلية: ترتبط مقاومة الأنسولين بزيادة الأندروجينات، خاصة في حالات متلازمة تكيس المبايض.
هرمون البرولاكتين: قد يتأثر بشكل غير مباشر نتيجة التغيرات الاستقلابية.
هذا التداخل الهرموني المعقد يؤدي إلى دائرة مرضية متشابكة تعزز استمرار الخلل وتفاقمه.
ثالثًا: الانعكاسات السريرية
تتمثل الانعكاسات السريرية في:
اضطراب مستويات سكر الدم.
زيادة الوزن وصعوبة فقدانه.
اضطرابات الدورة الشهرية.
الشعور بالإرهاق المزمن.
زيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية.
إن التشخيص المبكر بالاعتماد على المؤشرات المخبرية مثل مستوى الأنسولين الصائم ومؤشر HOMA-IR يُسهم في تقليل المضاعفات بعيدة المدى.تُظهر مقاومة الأنسولين نموذجًا واضحًا للتداخل بين الخلل الاستقلابي والاضطراب الهرموني، حيث تتشابك العوامل الجزيئية والالتهابية والهرمونية لتُنتج حالة مرضية معقدة. وعليه، فإن التعامل معها يتطلب رؤية شمولية تعتمد على التعديل الغذائي، والنشاط البدني، والعلاج الدوائي عند الحاجة، إضافة إلى المتابعة الهرمونية الدقيقة لتحقيق الاتزان الداخلي للجسم.
جامعة المستقبل
الجامعة الأولى في العراق