يشهد العالم المعاصر تحديات بيئية متسارعة تتمثل في تلوث الهواء وارتفاع نسب ثاني أوكسيد الكربون وتراجع المساحات الخضراء داخل المدن المكتظة. ومع محدودية المساحات المتاحة لزراعة الأشجار في المراكز الحضرية، ظهر مفهوم الشجرة السائلة بوصفه ابتكاراً يجمع بين التكنولوجيا الحيوية والتصميم الصناعي لمعالجة الهواء في الفضاءات العامة. ويُعد تصميم حوض الشجرة السائلة محوراً أساسياً في كفاءة هذا النظام واستدامته الجمالية والوظيفية.
الشجرة السائلة هي نظام بيئي اصطناعي يعتمد على الطحالب الدقيقة التي تقوم بعملية التمثيل الضوئي مثل الأشجار الطبيعية، حيث تمتص ثاني أوكسيد الكربون وتطلق الأوكسجين. ومن أبرز النماذج التطبيقية مشروع Liquid 3 الذي طُوّر في مدينة بلغراد ليكون بديلاً أو مكملاً للأشجار في البيئات الحضرية عالية التلوث.
يحتوي حوض الشجرة السائلة على ماء مُعقّم مخلوط بأنواع مختارة من الطحالب الدقيقة تعتمد على الضوء الطبيعي أو الاصطناعي لإتمام عملية البناء الضوئي، ويتم تزويد النظام بمضخات هواء لتمرير ثاني أوكسيد الكربون داخل الوسط المائي. ويتكوّن الحوض من خزان شفاف مصنوع من زجاج مقوّى أو بولي كربونات مقاومة للأشعة فوق البنفسجية، وقاعدة إنشائية تتحمل ضغط الماء والظروف البيئية الخارجية، ووحدة تحكم ذكية لمراقبة درجة الحرارة والأس الهيدروجيني ومستوى الإضاءة، إضافة إلى نظام تدوير يمنع ركود الماء ويحافظ على توزيع الطحالب.
من الناحية التصميمية، ينبغي مراعاة عدة اعتبارات بيئية مثل تقليل استهلاك الطاقة عبر الاعتماد على الإضاءة الشمسية واستخدام مواد قابلة لإعادة التدوير وتصميم يسمح بسهولة الصيانة واستبدال الوسط الحيوي. كما يجب مراعاة الجانب الجمالي لأن الحوض يُوضع غالباً في الساحات العامة أو ممرات المشاة، فينبغي أن ينسجم مع الطابع العمراني ويعكس شفافية الفكرة البيئية ويتيح رؤية الحركة الحيوية للطحالب كعنصر بصري جاذب. أما الاعتبارات الوظيفية فتشمل تحقيق أعلى معدل امتصاص لثاني أوكسيد الكربون وتوفير عناصر تفاعلية حول الحوض ودمجه مع الفضاء العام وضمان السلامة العامة.
تعتمد كفاءة الحوض على عملية التمثيل الضوئي التي يمكن تمثيلها بالمعادلة:
ثاني أوكسيد الكربون + ماء + ضوء → جلوكوز + أوكسجين.
وتعد الطحالب الدقيقة أكثر كفاءة من الأشجار التقليدية في امتصاص الكربون لكل وحدة مساحة، مما يجعل الحوض خياراً عملياً في المساحات المحدودة.
يمثل تصميم حوض الشجرة السائلة تحولاً في مفهوم العناصر الحضرية من مجرد عناصر تجميلية إلى أنظمة بيئية نشطة، ويمكن إدراجه ضمن استراتيجيات المدن الذكية والتصميم المستدام والعمارة البيئية. كما يفتح المجال أمام المصممين الصناعيين ومهندسي البيئة لابتكار نماذج تتلاءم مع مناخات مختلفة، ومنها البيئات الحارة مثل العراق عبر تطوير أنظمة تبريد أو عزل حراري أو وضعها في أماكن شبه مظللة.
ورغم التحديات مثل الحاجة إلى صيانة دورية وكلفة الإنشاء الأولية مقارنة بالأشجار الطبيعية وضرورة التوعية المجتمعية بفكرة النظام الحيوي الاصطناعي، فإن التطور في تقنيات الاستشعار وإنترنت الأشياء قد يسهم في تحسين الأداء وتقليل التكاليف مستقبلاً. إن تصميم حوض الشجرة السائلة يمثل نموذجاً تكاملياً يجمع بين العلم والتكنولوجيا والتصميم الحضري ويعكس توجهاً معاصراً نحو إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والبيئة داخل المدينة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .