تلعب الكيمياء التحليلية دورًا أساسيًا في الطب الحديث، ولا سيما في مجال التخدير. إذ يعتمد التخدير الآمن والفعال ليس فقط على الخبرة السريرية، بل أيضًا على القياس الدقيق ومراقبة الأدوية والمعايير الفسيولوجية. ومن خلال التقنيات التحليلية المتقدمة، يتمكن أطباء التخدير من ضبط تراكيز الأدوية، ومراقبة الوظائف التنفسية، وضمان استقرار المريض أثناء العمليات الجراحية. لذلك تُعد الكيمياء التحليلية أساسًا علميًا مهمًا لممارسة التخدير بأمان.
ومن أهم تطبيقات الكيمياء التحليلية في التخدير قياس غازات التخدير المستنشقة. فالعوامل المخدِّرة الشائعة مثل السيفوفلوران والإيزوفلوران وأكسيد النيتروز يجب إعطاؤها بتراكيز مضبوطة بدقة. وتحتوي أجهزة التخدير الحديثة على محللات غازات تقوم بقياس تراكيز الغازات المستنشقة والزفيرية بشكل مستمر. وتضمن هذه المراقبة بقاء المريض في عمق تخدير مناسب مع تجنب الجرعة الزائدة أو التخدير غير الكافي.
إضافةً إلى العوامل الاستنشاقية، تُستخدم أدوية التخدير الوريدية على نطاق واسع. فالأدوية مثل البروبوفول والفنتانيل تتطلب جرعات دقيقة، وفي بعض الحالات يلزم قياس تركيزها في بلازما الدم مختبريًا. وتُستخدم تقنيات تحليلية مثل كروماتوغرافيا الغاز (GC) وكروماتوغرافيا السائل عالية الأداء (HPLC) في البحوث السريرية وعلم السموم لتحديد مستويات الأدوية في عينات الدم. وتوفر هذه الطرق بيانات كمية تساعد في فهم استقلاب الدواء وإطراحه ومداه العلاجي.
ومن الإسهامات المهمة الأخرى للكيمياء التحليلية في التخدير تحليل غازات الدم، حيث يقيس هذا الفحص مستويات الأكسجين (O₂) وثاني أكسيد الكربون (CO₂) ودرجة حموضة الدم (pH) والبيكربونات. وتعد مراقبة هذه المؤشرات أمرًا حيويًا أثناء الجراحة، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من أمراض تنفسية أو قلبية وعائية. وأي اختلال يتم اكتشافه من خلال التحليل الكيميائي يسمح بالتدخل الطبي الفوري، مما يقلل من مخاطر المضاعفات.
علاوة على ذلك، تدعم الكيمياء التحليلية تقييم وظائف الكبد والكلى قبل التخدير وبعده. فمعظم عوامل التخدير يتم استقلابها في الكبد وإطراحها عبر الكلى، لذا فإن الفحوصات الكيميائية الحيوية مثل قياس إنزيمات الكبد ومستوى الكرياتينين ضرورية لتقييم كفاءة الأعضاء. وتساعد هذه التحاليل أطباء التخدير على تعديل الجرعات الدوائية وفقًا للحالة الفسيولوجية للمريض.
وفي الختام، تُعد الكيمياء التحليلية عنصرًا حيويًا في ممارسة التخدير. فهي تضمن القياس الدقيق لعوامل التخدير، والمراقبة المستمرة للمؤشرات الحيوية الكيميائية، والكشف المبكر عن الاختلالات الفسيولوجية. ومن خلال الأجهزة التحليلية المتطورة والتقنيات المختبرية الحديثة، أصبح التخدير أكثر أمانًا ودقة من أي وقت مضى. ومع استمرار تطور التكنولوجيا، سيؤدي دمج الكيمياء التحليلية في مجال التخدير إلى تعزيز سلامة المرضى وتحسين نتائج العمليات الجراحية بشكل أكبر
جامعة المستقبل
الجامعة الاولى في العراق