يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا من التعليم التقليدي القائم على التلقين والشرح المباشر إلى التعليم الخوارزمي الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. هذا التحول لم يعد مجرد تطوير تقني، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تعكس تغيرًا في بنية المعرفة وأنماط السلطة داخل المجتمع.
في التعليم التقليدي كان المعلم هو المصدر الأساسي للمعلومة، والكتاب المدرسي هو المرجع المركزي، وكانت العملية التعليمية تقوم على الحفظ والاسترجاع. أما في التعليم الخوارزمي، فقد أصبحت المنصات الرقمية قادرة على تحليل أداء الطالب وتقديم محتوى مخصص له وفقًا لاحتياجاته الفردية. هكذا تتحول الخوارزمية إلى فاعل تربوي جديد يشارك المعلم دوره، بل ويتجاوزه أحيانًا.
تجسد منصات مثل Khan Academy وCoursera هذا التحول بوضوح، إذ تقدم مسارات تعلم شخصية مبنية على تتبع أداء المتعلم وتفضيلاته. كما لعبت جائحة كورونا دورًا محوريًا في تسريع هذا الانتقال، حين أصبح التعليم عن بُعد ضرورة اجتماعية لا خيارًا تقنيًا.
من الناحية الاجتماعية، يعيد التعليم الخوارزمي تشكيل العلاقة بين الطالب والمعرفة. لم يعد الطالب متلقيًا سلبيًا، بل أصبح عنصرًا نشطًا يتفاعل مع محتوى متجدد باستمرار. غير أن هذا التحول يطرح أيضًا أسئلة حول العدالة الرقمية، إذ لا تتوافر البنية التحتية التقنية بالتساوي بين مختلف الفئات الاجتماعية، مما قد يعمّق الفجوة التعليمية.
كما يثير التعليم الخوارزمي إشكاليات تتعلق بالخصوصية وتحويل بيانات الطلاب إلى مادة للتحليل والتنبؤ. فالمتعلم هنا لا يكتسب المعرفة فقط، بل يترك أثرًا رقميًا دائمًا يُستخدم في توجيه مساره التعليمي وربما المهني.
رغم هذه التحديات، يفتح التعليم الخوارزمي آفاقًا واسعة أمام التعلم مدى الحياة، ويمنح الأفراد قدرة أكبر على الوصول إلى المعرفة خارج حدود المكان والزمان. إن التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم الخوارزمي ليس مجرد انتقال من السبورة إلى الشاشة، بل هو انتقال من ثقافة التلقين إلى ثقافة التخصيص، ومن مركزية المعلم إلى تشاركية الإنسان والآلة في إنتاج المعرفة.