نظمت الأستاذة رسل مشتاق من قسم تقنيات صحة المجتمع مقالة علمية تناولت أحد الموضوعات الحديثة في العلوم الطبية، وهو دور النظام العصبي المعوي في التأثير على الحالة المزاجية والسلوك الإنساني.
فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الجهاز الهضمي لا يقتصر دوره على عملية الهضم فحسب، بل يمتلك شبكة عصبية متطورة تُعرف باسم النظام العصبي المعوي (Enteric Nervous System)، والذي يُشار إليه أحياناً بـ “الدماغ الثاني” بسبب استقلاليته النسبية عن الجهاز العصبي المركزي وقدرته على تنظيم العديد من العمليات الفسيولوجية في الجسمكما كشفت الدراسات العلمية الحديثة عن وجود علاقة وثيقة بين الأمعاء والدماغ تُعرف باسم محور الأمعاء–الدماغ، وهو نظام اتصال معقد يربط الجهاز الهضمي بالجهاز العصبي المركزي ويؤثر بشكل مباشر في الحالة النفسية والسلوك.يُعد النظام العصبي المعوي من أكبر الشبكات العصبية في جسم الإنسان خارج الدماغ، حيث يتكون من أكثر من 500 مليون خلية عصبية تنتشر في جدار الجهاز الهضمي.
ويتكون هذا النظام من شبكتين عصبيتين رئيسيتين هما الضفيرة العضلية (Auerbach’s plexus) والضفيرة تحت المخاطية (Meissner’s plexus)، واللتان تعملان معاً لتنظيم حركة الأمعاء وإفراز الإنزيمات والهرمونات الهضمية، إضافة إلى التحكم بتدفق الدم في الجهاز الهضمي.
وعلى الرغم من أن النظام العصبي المعوي يتمتع بدرجة من الاستقلالية، إلا أنه يتواصل مع الجهاز العصبي المركزي من خلال مسارات عصبية متعددة، أهمها العصب المبهم الذي يعمل كقناة اتصال رئيسية لنقل الإشارات العصبية بين الأمعاء والدماغ.يُعد محور الأمعاء–الدماغ (Gut–Brain Axis) نظام تواصل ثنائي الاتجاه يشمل الأعصاب والهرمونات والناقلات العصبية إضافة إلى الميكروبيوم المعوي، وهو مجموعة الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في الجهاز الهضمي.
وقد أشارت الدراسات إلى أن ما يقارب 90٪ من هرمون السيروتونين، وهو أحد أهم الهرمونات المسؤولة عن تنظيم المزاج، يتم إنتاجه في الأمعاء بواسطة الخلايا المعوية المتخصصة، مما يعكس الدور الحيوي للجهاز الهضمي في التأثير على الصحة النفسية.
كما يلعب الميكروبيوم المعوي دوراً أساسياً في هذه العلاقة، حيث تساهم بعض أنواع البكتيريا النافعة مثل Lactobacillus وBifidobacterium في إنتاج مركبات عصبية مهمة مثل GABA والسيروتونين، والتي تؤثر بشكل مباشر في تنظيم المزاج والسلوك.
وفي المقابل، قد يؤدي اختلال التوازن في الميكروبيوم المعوي إلى زيادة احتمالية الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب. كما أظهرت الدراسات وجود ارتباط بين بعض أمراض الجهاز الهضمي المزمنة مثل متلازمة القولون العصبي ومرض كرون وبين ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية.يمثل النظام العصبي المعوي أحد أهم الاكتشافات العلمية الحديثة في مجالي علم الأعصاب والطب النفسي، إذ يسلط الضوء على العلاقة العميقة بين صحة الجهاز الهضمي والصحة النفسية للإنسان.
إن فهم آليات التواصل بين الأمعاء والدماغ يفتح آفاقاً علمية جديدة لتطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف الميكروبيوم المعوي أو تحفيز العصب المبهم بهدف تحسين الحالة المزاجية والحد من الاضطرابات النفسية.
وبذلك لم تعد العناية بصحة الأمعاء مرتبطة بعملية الهضم فقط، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الحفاظ على التوازن النفسي والعاطفي للإنسان.
جامعة المستقبل
الجامعة الأولى في العراق