اعداد: م.م. رولا سعد حبيب
تُعد ظاهرة تشرد الأطفال من أعقد القضايا الإنسانية التي تهدد مستقبل الأجيال، فهي انعكاس مباشر للتصدع الأسري والضغوط الاقتصادية. إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على تقديم المساعدات الآنية، بل تتطلب إطاراً بنيوياً يستأصل جذور التهميش ويعيد الطفل إلى بيئته الطبيعية كركيزة لبناء الحضارة. وتتمثل هذه الرؤية في المحاور الآتية:
أولاً: الاستراتيجية القيمية والمسؤولية الأخلاقية
تنطلق هذه الركيزة من الإيمان بأن حقوق الطفل هي واجبات أخلاقية ودينية قبل أن تكون نصوصاً قانونية. إن الأديان السماوية والقيم الإنسانية تحرم إهمال الطفولة أو تعريضها للضياع. فالتشرد ليس قدراً، بل هو نتاج خلل في التكافل الاجتماعي؛ لذا فإن استعادة "القيم الوالدية" والمسؤولية المجتمعية تجاه اليتيم والمحروم هي الخطوة الأولى لتحصين الطفولة من رصيف الشارع.
ثانياً: التمكين المعرفي والتعليمي (الوقاية من التسرب)
لا يمكن القضاء على التشرد دون غلق منابعه، وأهمها التسرب المدرسي. تركز هذه الاستراتيجية على نشر الوعي بأهمية التعليم كحق أساسي، وتفعيل دور المؤسسات التربوية في رصد الحالات المعرضة للضياع وتقديم الدعم النفسي لها. إن "التمكين المعرفي" للطفل يمنحه القدرة على رفض الاستغلال ويفتح أمامه آفاقاً تتجاوز حدود الحاجة والفقر.
ثالثاً: المبادرات المؤسساتية والبيئة الآمنة
تنتقل المواجهة هنا إلى الحيز التنفيذي عبر إنشاء وتطوير دور الرعاية التي لا تكتفي بالإيواء، بل تعمل كـ "مراكز تأهيل وإدماج". ويشمل ذلك استثمار الشراكات بين الجامعات والجمعيات الأهلية لتوفير برامج رعاية صحية ونفسية متخصصة، وضمان وجود قنوات قانونية صارمة تمنع استغلال الأطفال في العمالة القسرية أو التسول، مع توفير بدائل آمنة تحت إشراف متخصصين.
رابعاً: دور الوعي الجمعي والرقابة الذاتية
تكتمل حلقة الحماية بتحويل كل مواطن إلى حارس للطفولة. إن الصمت تجاه رؤية طفل مشرد هو شراكة في الجريمة؛ لذا فإن الوعي الجمعي يجب أن يرفض ظاهرة "أطفال الشوارع" ليس كمنظر مزعج، بل كقضية كرامة إنسانية. إن نجاح قوانين حماية الطفل يعتمد على ممارسة "اللا تشرد" كفعل يومي يبدأ من احتضان الأسر لأبنائها وينتهي بتكاتف المجتمع لانتشال كل طفل من دائرة الضياع.
الخلاصة والتوصيات:
إن الوصول إلى مجتمع سليم يقتضي جعل "حق الطفل في الأمان" أولوية وطنية، وتضمين مفاهيم حماية الطفولة في المناهج الدراسية، مع دعم المؤسسات التي تتبنى سياسات احتواء شاملة. إن إنقاذ طفل من التشرد هو إنقاذ لمستقبل أمة بأكملها.
( جامعة المستقبل هي الجامعة الاولى في العراق)