قدمها م.م.منتظر صالح مهدي
لقد تجاوزت هندسة الأطراف الصناعية مرحلة التعويض الشكلي والميكانيكي البسيط، لتدخل عصراً جديداً يُعرف بـ "البيونيكس" (Bionics) أو الميكانيكا الحيوية الإلكترونية. يهدف هذا المجال الرائد إلى سد الفجوة بين الآلة والجهاز العصبي البشري، مما يسمح للمرضى بالتحكم في أطرافهم الصناعية بمجرد التفكير، تماماً كما يفعلون مع أطرافهم الطبيعية السليمة.
تعتمد التقنية الأساسية في هذا المجال المتقدم على ما يُعرف بـ "الأطراف الصناعية التي تعمل بالإشارات العضلية الكهربائية" (Myoelectric Prostheses). فبعد عملية البتر، تظل الأعصاب التي كانت تتحكم في الطرف المفقود حية وقادرة على نقل الإشارات من الدماغ إلى العضلات المتبقية في الطرف المبتور. يقوم مهندسو الأطراف الصناعية بوضع مستشعرات دقيقة (أقطاب كهربائية) على سطح الجلد فوق هذه العضلات. عندما يفكر المريض في تحريك يده المفقودة، تنقبض العضلات المتبقية، فتلتقط المستشعرات هذه الإشارات الكهربائية الدقيقة وتقوم بتكبيرها وإرسالها إلى معالج دقيق (Microprocessor) موجود داخل الطرف الصناعي. يقوم المعالج بترجمة هذه الإشارات إلى أوامر حركية تشغل محركات صغيرة لتحريك الأصابع أو المعصم بدقة وسلاسة.
لتحسين هذه الاستجابة، ظهرت تقنية جراحية وهندسية حديثة تعرف باسم "إعادة التوجيه العصبي للعضلات" (Targeted Muscle Reinnervation - TMR). في هذه العملية الدقيقة، يتم أخذ الأعصاب التي كانت متصلة بالطرف المبتور وإعادة توجيهها إلى عضلات أخرى سليمة في الجسم (مثل عضلات الصدر في حالة بتر الذراع من الكتف). عندما يفكر المريض في تحريك ذراعه، تنقبض عضلات الصدر، مما يخلق إشارات كهربائية قوية وواضحة جداً يسهل على الطرف الصناعي قراءتها وفك شفرتها باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي (Pattern Recognition).
أما بالنسبة للأطراف السفلية، فقد أحدثت "المفاصل الدقيقة التي يتحكم فيها المعالج" (Microprocessor-controlled joints) ، مثل الركب والكواحل الإلكترونية، ثورة في حياة فاقدي الأطراف. تحتوي هذه المفاصل على مستشعرات تقرأ سرعة المشي، وزاوية المفصل، وطبيعة التضاريس بمعدل مئات المرات في الثانية الواحدة. وبناءً على هذه البيانات، يقوم المعالج بتعديل مقاومة المفصل الهيدروليكية أو الهوائية في أجزاء من الثانية، مما يمنع تعثر المريض ويوفر له مشية طبيعية وآمنة.
إن مستقبل الأطراف الإلكترونية لا يقتصر فقط على الحركة، بل يمتد ليشمل "الاسترجاع الحسي" (Sensory Feedback). يعمل الباحثون اليوم على تزويد الأطراف الصناعية بمستشعرات للضغط والحرارة، متصلة مباشرة بالأعصاب المتبقية للمريض، مما سيتيح له الشعور بملمس الأشياء وقوة قبضته. نحن نقترب من يوم تصبح فيه الأطراف الصناعية بديلاً حقيقياً لا يمكن تمييز وظائفه عن الطرف البشري الأصلي.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق