مقالة كتبتها رئيس قسم الآثار الدكتورة أنغام سليم الدليمي
احتلت الأشجار والبساتين مكانة مهمة في حياة سكان بلاد الرافدين، إذ ارتبطت بالبيئة الزراعية والاقتصاد والحياة الدينية على حد سواء، وقد عكست النصوص المسمارية هذا الاهتمام الواضح بزراعة الأشجار وتنظيم البساتين، خاصة في المدن الكبرى فقد أدرك السومريون والبابليون أهمية الأشجار في تحسين البيئة وتوفير الغذاء والظل والجمال للمدن، ولذلك أولوا عناية كبيرة بزراعة البساتين والمحافظة عليها.
تشير النصوص المسمارية السومرية والبابلية إلى وجود مساحات واسعة من البساتين داخل المدن أو في ضواحيها، وكانت تُزرع فيها أنواع مختلفة من الأشجار المثمرة مثل النخيل والرمان والتين، إضافة إلى الأشجار التي تُزرع للزينة أو لتوفير الظل، وقد وردت في النصوص السومرية كلمة “GIŠ” للدلالة على الشجرة أو الخشب، كما وردت مصطلحات أخرى تشير إلى البساتين في اللغة الأكدية “kirû” التي تعني البستان، إذ اهتم ملوك بلاد الرافدين بزراعة الأشجار في عواصمهم ومدنهم الكبرى، و كانت البساتين تُعد رمزاً للازدهار والاستقرار، وتشير بعض النصوص المسمارية إلى قيام الملوك بزراعة الأشجار في المعابد والقصور والحدائق الملكية، ومن النصوص التي تشير إلى ذلك ما ورد في أحد النصوص الأكدية
“ina kirî ša āli iṣṣū rabûti ušēriš”
“في بساتين المدينة غرستُ أشجاراً عظيمة”
ويُظهر هذا النص اهتمام الحكام بزراعة الأشجار في المدن، ليس فقط لأغراض اقتصادية بل أيضاً لأغراض جمالية وبيئية
كما ورد في نص آخر يشير إلى العناية بالبساتين وريّها
“kirî u iṣṣū ana balāṭi āli”
“البساتين والأشجار من أجل ازدهار المدينة”
وتدل هذه النصوص على أن زراعة الأشجار كانت جزءاً من التخطيط العمراني في المدن القديمة، حيث كانت البساتين تُعد عنصرًا مهماً في حياة المجتمع، كما كانت توفر الغذاء والموارد الاقتصادية للسكان.
ومن الجدير بالذكر أن الأشجار دائمة الخضرة كانت تحظى باهتمام خاص، لما ترمز إليه من الاستمرارية والحياة المتجددة، وقد ارتبطت بعض الأشجار بطقوس دينية واحتفالات موسمية تعبر عن علاقة الإنسان بالطبيعة وتجدد الحياة.
وفي الوقت الحاضر يمكن ملاحظة استمرار هذا الاهتمام بالأشجار من خلال بعض المهرجانات والفعاليات البيئية، ومن بينها مهرجان التشجير المقام في جامعة المستقبل الذي يهدف الى نشر الوعي بأهمية زراعة الأشجار والحفاظ على البيئة، ويُعد هذا المهرجان امتداداً رمزياً لما كان عليه الحال في حضارات بلاد الرافدين، حيث أدرك الإنسان منذ القدم أهمية الأشجار والبساتين في ازدهار المدن واستمرار الحياة.
إن دراسة النصوص المسمارية تكشف بوضوح أن السومريين والبابليين لم ينظروا إلى الأشجار والبساتين بوصفها مجرد موارد طبيعية، بل رأوا فيها جزءاً أساسياً من النظام البيئي والحضاري للمدينة، ولذلك اهتموا بزراعتها والعناية بها، وجعلوا منها عنصراً مهماً في التخطيط العمراني والاقتصادي، وهكذا تبقى الأشجار والبساتين شاهداً على العلاقة العميقة بين الإنسان الرافديني وبيئته الطبيعية، وهي علاقة استمرت عبر العصور حتى يومنا الحاضر.