دراسات في العصور العباسية المتأخرة / أ.د عبد العزيز الدوري<br /> أم.د علي فرحان زوير / كلية الآداب - قسم الآثار<br /> حاولت أن أوجز في هذه المقالة الأسس التي اعتمدها الدكتور عبد العزيز الدوري في كتابه أعلاه إذ إن الكتاب قد أشار في وقت مبكر جداً إلى أهمية الدراسة التاريخية التي تتفتح على العلوم المجاورة الأخرى، مثل على الاجتماع ، وأيضاً التأكيد على عدم اهمال الأحداث مهما كان شأنها فالهامش أحياناً يمتلك الحقيقة عكس المتن الذي من الممكن أن جرى عليه التعريف والتزوير، ولأهمية هذه الدراسة وجديتها أفردت لها هذا التقرير . العرض ما يزال التاريخ - بصورة عامة - ميداناً واسعاً للبحث العلمي فهو يشكل قضاء رحباً للصراع الفكري لكثرة الآراء والمذاهب والنظريات الدرجة أصبح من المتعذر أن يتفق اثنان من الباحثين على وضع تعريف للفظة ( التاريخ بوصفها مصطلحاً ومفهوماً شمواباً يستوعب كل مباني هذا العلم ومفرداته وتفاصيله، بوصفه علماً ذو طبيعة وصفية بجميع مناهجه وتياراته القائمة. ومن المثير حقاً ، أن يقع عقلك على دراسة تقسم بعمق فكري أصيل وطرح أكاديمي ناضج ، وهي دراسة الدكتور الاستاذ عبد العزيز الدوري ( دراسات في العصور العباسية المتأخرة وهي دراسة قدمت رؤية أكاديمية علمية رصينة عن البحث التاريخي الموضوعي المتكامل القائم بنفسه. وقد كشفت هذه الدراسة بجلاء تام من خلال المقدمة التي تصدرتها ، وأيضاً ما جاء في ثنايا هذه الدراسة من طروحات غنية ، رغم أنها جاءت مبكرة وفي حينها كانت الذهنية العربية والمؤسسة الثقافية في طور التشكل ، وكانت أنماط الدراسة السائدة هي الانماط العرقية التقليدية القديمة ، لذا لابد على وفق منطق التطور أن تتأثر أي دراسة علمية في تلك الحقبة المبكرة بالسائد الثقافي شكلاً ومضموناً. ويمكن لنا أن نقول أن هذه الدراسة قد حققت فعل الريادة والابداع، إذ أنها خرجت من إطار فكرة المؤرخ إلى دراسة فلسفة التاريخ، فالدكتور الدوري في مقدمته كان على دراية تامة بضرورة المراهنة على استنطاق التيارات الهامشية في المجتمع، فالبحث التاريخي الحديث لا يرى أن هناك إشكالاً في الاعتماد على كل الأمور الفاحصة التي تقود الباحث إلى الحقيقة وإن كان يدخل فيما يسمى ( الشواذ التاريخية)، التي تقود إلى نتائج علمية متماسكة إذا ما قرأها الباحث قراءة واعية ومنهجية. وقد سعى الباحث من أجل تحليل الحدث التاريخي وتفسيره على وفق المنهج العلمي الذي سار عليه ووضع ضوابطه هو بنفسه أن يحدد الضوابط الآتية:<br /><br />دراسة المجتمع دراسة شمولية من جوانب كافة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية وحتى الاساطير والمعتقدات) ودراسة مدى تأثير هذه العوامل بعضها على البعض الآخر، فلا يكفي دراسة جزء من المجتمع دون الآخر، فمن أجل فهم طبيعة مجتمع ما، لا بد من دراسة الحالة التاريخية ككل لأجل تكوين صورة منطقية واضحة المعالم محددة الأبعاد، ذلك لأن تلك الأجزاء قد يحكمها التوافق والانسجام في صورتها التاريخية، ومن ذلك قول الاستاذ الدوري : (( إنه لا يمكن معرفة المجتمع البغدادي في العصر البويهي مثلاً إذا أعمل دراسة الشطار والعياريين وإغفال الحديث عن الحياة في محلة الكرخ أو باب البصرة)) (المقدمة ص (5)، ولذا يقول ابن خلدون في مقدمته : (( من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال)) ( مقدمة ابن خلدون ص 25) 2- تناول الدوري الحدث التاريخي بوصفه بنية زمنية متماسكة ) واحدة الحدث ومتطورة بشكل تواصلي فكل حدث يتمخض عنه حدث آخر، وهكذا تسلل الأحداث مشكلة في جملتها الحدث العام الأكثر هيمنة، ويسوق الباحث مثالاً لذلك الدولة العباسية محاولاً تلمس أسباب سقوطها من خلال نقاط الضعف الرئيسية، وايضاً سقوط الدولة الأموية ، ثم يعقد مقارنة بين الدولتين وعوامل الضعف التي سرت عليهما ، إذ يقول : (( ومن نواحي الضعف الحتمية في بحث التاريخ تقسيمه إلى فترات ودراسة كل قدرة على حدة كأنها شيء قائم بذاته، والتاريخ براء من هذا التقسيم)) ( المقدمة ص (7). كما يؤكد الدكتور الدوري على ضرورة نبذ القراءة ( الجامدة للتاريخ، ويقترح للقراءة الواعية مرحلتين ، هما:<br /> المرحلة الأولى: ضرورة تبنى منهجاً وطبيعة ( حركية) ، تمتلك قابلية الالتفات إلى الوراء بسرعة تتناسب مع ما يدعم وجهة النظر الآتية عبر استقرار حوادث سابقة ، ومن ثم تحقيق تصور شمولي أكثر وضوحاً عن التاريخ. المرحلة الثانية: استخدام كلما يدعم الحقيقة من وثائق وقراءات علمية لكتب السير والمغازي ، مع ضرورة عدم إقصاء الكتب التي يرى الباحث أنها ذات طبيعة غير تاريخية. في هذه القراءة الموجزة تؤثر فائدتين مهمتين من خلال مطالعة كتاب الدوري، هما:–<br /><br /> أكد على ضرورة ( معرفية المقدمات التي تؤسس للخطاب الفكري الذي يتبناه أي مؤلف ، وإن الدرس المعرفي الحديث في مجال صناعة الأطروحة ويؤكد على ضرورة أن تمتلك المقدمة الاستهلاكية لأي كتاب على مجموعة من العناصر المعرفية تنقلها من خانة الفرض إلى فحوى المتن، ومن ثم اعتبارها نصاً ( مفتاحياً) حسب ( باختين). فالمؤلف العارف بكتابه عليه أن يكون مدركاً لضرورة أن تكون مقدمته مجموعة من المقتريات الفعالة التي تشير إلى ثيمات النص الرئيسة حسب ( فوكو). <br /><br />-العلاقة الوثيقة بين التاريخ وعلم الاجتماع ، فلا يمكن أن يصل البحث إلى الوعى المطلوب منه دون الإشارة إلى العلاقة التي تربط التاريخ بعلم الاجتماع، إذ إن من المسلم أن التاريخ ما هو إلا ترجمة سردية وتوثيق العملية التطور الجدلي للمجتمعات والشعوب، يقوم على سرد الأحداث والمتغيرات الاجتماعية التي تنتج بدورها على حركة ذلك المجتمع ولعل مصداقية <br />وعمق البحث التاريخي تزداد كلما اقترب ذلك البحث من جوهر علم الاجتماع وهذا ما أكده العلماء كابن خلدون، وناصيف نصار الذي يقول : (( إذا كان التاريخ الحقيقي هو التاريخ الاجتماعي، وإذا كانت قيمة كتابة تاريخية معينة تعظم بقدر ما تقترب من نموذج الكتابة التاريخية الاجتماعية ، أو بقدر ما تشمل على مضمون اجتماعي وجب الاهتمام جدياً بالمفاهيم والأحكام والنظريات الاجتماعية التي تنطوي عليها تلك الكتابة التاريخية في سبيل إظهار قيمتها الحقيقية )) ( مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ ص (56). على وفق هذه الأسس الرئيسية جاءت دراسة الدكتور الدوري ليقوم باستعراض الأحداث وتطوراتها التاريخية على امتداد حقبة زمنية طويلة تمتد من قيام الدولة الأموية وحتى انهيار الدولة العباسية محدداً العوامل والملابسات التي أدت إلى قيام هاتين الدولتين ومن ثم انهيارهما.<br /> جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .<br /><br /><a href=https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%A7%D8%AE%D8%B1%D9%87-%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%8A-pdf target=_blank>كتاب دراسات في العصور العباسية المتأخرة ل عبدالعزيز الدوري</a>