<br />التوثيق السريري يُعد من أكثر المهام استهلاكًا لوقت الأطباء، حيث تشير الدراسات إلى أن الأطباء يقضون أكثر من 40% من وقتهم في إدخال البيانات الطبية بدلاً من التواصل المباشر مع المرضى. ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، برزت فرصة ثورية لإعادة توزيع هذا الجهد.<br />الأنظمة التوليدية قادرة على الاستماع إلى الحوار بين الطبيب والمريض وتحويله تلقائيًا إلى ملاحظات سريرية متكاملة، تشمل التاريخ المرضي، التشخيص التفريقي، والخطة العلاجية. هذه العملية تختصر ساعات من الكتابة اليدوية، وتسمح للطبيب بتخصيص وقت أطول للتشخيص السريري واتخاذ القرار.<br />إلا أنّ القلق الأساسي يكمن في ضمان دقة وموثوقية هذه الأنظمة. أي خطأ في التوثيق قد يؤدي إلى خطط علاجية خاطئة أو إهمال تفاصيل مهمة. من هنا تأتي أهمية "المراجعة البشرية" حيث يظل الطبيب مسؤولًا عن مراجعة النصوص المولدة قبل اعتمادها.<br />جانب آخر بالغ الأهمية هو حماية الخصوصية. إذ يجب أن تُخزن البيانات في بيئات مشفرة وآمنة، لا سيما في ظل تصاعد الهجمات السيبرانية على المستشفيات. ولهذا بدأت بعض المؤسسات الطبية باستخدام تقنيات البلوكتشين لضمان نزاهة السجلات وعدم إمكانية التلاعب بها.<br />من الناحية الاقتصادية، يتوقع أن يقلل التوثيق الآلي من تكاليف الرعاية الصحية عبر خفض الحاجة إلى كتبة طبيين وتخفيف الضغط النفسي والإداري على الأطباء. وهذا ينعكس إيجابًا على جودة الرعاية، حيث يتحول وقت الطبيب من التفاعل مع الشاشة إلى التفاعل مع المريض.<br />إذن، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يُعد مجرد أداة لتوفير الوقت، بل هو عامل نوعي لإعادة تعريف الممارسة الطبية، بشرط أن يُدمج ضمن أطر تنظيمية وأخلاقية تضمن الأمان والجودة معًا.<br />وعلاوة على ذلك، فإن هذا التحول الرقمي يتماشى مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (الصحة الجيدة والرفاه)، من خلال تحسين جودة الخدمات الصحية وزيادة إتاحتها للمرضى عبر تعزيز كفاءة الأطباء وتقليل أعبائهم. كما يسهم في دعم الابتكار والبنية التحتية (الهدف التاسع) عبر تبني تقنيات متقدمة، ويعزز الإنتاج المسؤول (الهدف الثاني عشر) من خلال تقليل الهدر في الموارد البشرية والطبية.<br /><br />جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.<br /><br /><br />