شهدت السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في اعتماد الأجهزة الطبية القابلة للارتداء في أنظمة الرعاية الصحية، إذ لم تعد هذه الأجهزة مجرد أدوات لقياس الخطوات أو مراقبة النشاط البدني، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من متابعة الأمراض المزمنة، ومراقبة الحالات الحرجة، وتوفير بيانات لحظية للطبيب من دون حاجة لزيارة المستشفى. هذا التحول يعكس تطورًا مهمًا في مفهوم الرعاية، إذ يتماشى مع الهدف الثالث (الصحة الجيدة والرفاه) عبر تمكين المراقبة المستمرة والوقاية، ومع الهدف الحادي عشر (مدن ومجتمعات مستدامة) من خلال تقليل الضغط على المستشفيات وتحسين جودة حياة السكان.
تعتمد الأجهزة القابلة للارتداء—مثل الساعات الطبية الذكية، أجهزة تتبع نظم القلب، حساسات التنفس، وأجهزة قياس السكر المستمرة—على جمع بيانات لحظية من جسم المريض، ثم إرسالها إلى الهاتف أو المنصة الطبية السحابية. هذه البيانات تشمل معدل نبض القلب، نسبة الأكسجين في الدم، مستوى النوم العميق، وكمية الحركة اليومية، إضافة إلى مقاييس متقدمة مثل تخطيط القلب (ECG) والتحذير من الرجفان الأذيني، الذي يُعد أحد أخطر اضطرابات القلب.
تُستخدم هذه التقنيات بشكل واسع بين مرضى القلب، مرضى السكري، كبار السن، والمرضى الذين خرجوا حديثًا من العمليات الجراحية. فعلى سبيل المثال، يتمكن الطبيب من متابعة حالة مريض القلب عبر إشعارات تصل مباشرة عند حدوث تسارع مفاجئ في النبض، أو انخفاض في الأكسجين، أو إشارة كهربائية غير طبيعية في القلب. هذا النوع من المتابعة يقلل بشكل كبير من حالات الطوارئ، ويتيح التدخل المبكر قبل حدوث مضاعفات حادة.
أما في حالات السكري، فقد أصبحت أجهزة قياس السكر المستمرة (CGM) بمثابة ثورة طبية، إذ تمنح المريض قراءة مستمرة على مدار 24 ساعة، وتصدر تنبيهات عند ارتفاع أو انخفاض السكر بشكل خطير. هذا يسمح للمريض بالتحكم الذكي بالغذاء والدواء، ويمكّن الأطباء من تصميم خطط علاج دقيقة تعتمد على بيانات فعلية وليس مجرد تخمينات.
إضافة إلى دورها العلاجي، توفر الأجهزة القابلة للارتداء فوائد كبيرة على مستوى الصحة العامة. إذ تسهم في تقليل زيارات المرضى غير الضرورية للمستشفيات، مما يخفف العبء على المرافق الصحية، ويقلل الازدحام، ويعزز كفاءة الموارد. كما تساعد على دعم المجتمعات الريفية والبعيدة، حيث يمكن مراقبة المرضى عن بعد من دون الحاجة لسفرهم إلى المدن الكبيرة، وهو ما يشجّع على بناء مدن ومجتمعات أكثر استدامة وفقًا لرؤية الهدف الحادي عشر.
تتيح هذه الأجهزة أيضًا جمع بيانات ضخمة يمكن استخدامها في الأبحاث الطبية لفهم الأنماط الصحية على مستوى السكان، مثل تكرار اضطرابات النوم، أو تأثير النشاط البدني على صحة القلب. وهذا يدعم بدوره الجهود الرامية إلى تحسين سياسات الصحة العامة، وتوجيه برامج الوقاية، مما يحقق أحد أهم محاور الهدف الثالث القائم على تعزيز الصحة الوقائية.
إن الأجهزة الطبية القابلة للارتداء ليست مجرد رفاهية تقنية، بل هي ركيزة أساسية في مستقبل الرعاية الصحية؛ مستقبل يقوم على الوقاية، المراقبة المستمرة، والاعتماد على البيانات الحية بدلاً من التخمين، مما يجعل الرعاية أكثر فعالية وإنسانية واستدامة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.